السبت 25 مارس/اذار 2017، العدد: 10582

السبت 25 مارس/اذار 2017، العدد: 10582

الإلكتروني في مواجهة الورقي

أشباح تلاحق المعنيين في العالم العربي وتجعلهم يتقدمون خطوة ويتراجعون عشرا وهم يشهدون الرقمي في مواجهة الورقي، فيجدون أنفسهم منحازين إلى هذا الأخير بلا أدنى تردد.

العرب طاهر علوان [نُشر في 2016/04/26، العدد: 10257، ص(18)]

نحن نقترب من العيش في سديم رقمي، نعوم ونحلّق فيه ونتنقّل ما بين عوالم افتراضية، وفي الوقت الذي سنتوصّل فيه إلى المعلومات وهي تتدفق بلا حدود، فإننا سنفتقد حدود الزمان والمكان، وهي كلمات قالها العالم الأميركي الشهير إدوارد هال منذ زمن راسما صورة مستقبلية لأحوال الميديا والأنظمة الرقمية وما ستؤول إليه في المستقبل المنظور.

هو إذا عالم يتشكّل أمامنا وتتقلص مساحاته ويجري خلاله إنتاج المعلومات بطريقة لم تكن مسبوقة ولا معروفة من قبل، واقع أكداس الورق التي يجب تصنيفها وخزنها آخذا مساحات شاسعة، قهره الرقمي وأحال تلك المساحات الهائلة ومساحات التخزين إلى مجرد خرافة أو عمل متحفي أكثر مما هو معلوماتي.

في المؤتمر الدولي عن استراتيجيات الميديا والمعلوماتية الذي أقيم في لندن مؤخرا، كان السجال متركزا حول الاجتياح الرقمي في مقابل الصحافة الورقية والكتاب الورقي، وإلى أين تتجه البوصلة العالمية في التعاطي مع إعلام الأصفار والآحاد.

على صعيد المعلوماتية والصحافة العربية مازلنا متأخرين عن إعداد الأجيال وتهيئة الوسائل والأدوات للانتقال الرقمي، مازالت مؤسسات الدولة مثلا تعتمد توثيقا ورقيا ومازال السواد الأعظم من موظفي الدولة يجهلون الاستخدام الرقمي بشكل شبه مطلق.

الخوف من الرقمي هو خوف من ضياع المعلومات، فوبيا الغشّ الرقمي الناتج عن الجهل، خرافة الفيروسات التي يمكن أن تلتهم السجلاّت في لحظة أو رمشة عين، القرصنة وسرقة البيانات، هذه كلها أشباح تلاحق المعنيين في العالم العربي وتجعلهم يتقدمون خطوة ويتراجعون عشرا وهم يشهدون الرقمي في مواجهة الورقي، فيجدون أنفسهم منحازين إلى هذا الأخير بلا أدنى تردد.

من جهة أخرى هناك أشباح القراصنة الذين يحومون من حول تلك البيانات الرقمية، أشباح يتخيّلها أنصار الورقيات وأكداس السجلات، فيؤثرون السلامة على المجازفة في اقتفاء أثر أولئك اللصوص الرقميين والهاكرز، حيث ثمّة فرق بين الإغلاق على السجلات في خزانات لا يدخلها الضوء فيما المفتاح في الجيب وبين ذلك الفضاء الرقمي الشاسع غير المسيطر عليه، الذي بإمكان أيّ كان أن يعوم ويحلق فيه ما شاء له ذلك، لن يسيطر عليه أحد ولن يوقفه أحد.

إشكاليّة الرقمي والورقي تنسحب على عادات وسياقات عيش وأنظمة وأفكار وسلوكيات، جيل أكثر فاعلية وديناميكية مقارنة بمن سبقه، جيل بإمكانه احتواء البيانات والمعلومات بأريحيّة غير مسبوقة ومرونة فريدة، لكن كيف لأتباع الورقي أن يتعاطوا مع هذا الفضاء الرقمي وهم مكبّلون بأنظمة أكل الدهر عليها وشرب. مسؤولون وأصحاب قرار ما يزالون يكتبون بقلم الحبر ويجهلون استخدام أبسط التقنيات الحديثة ويعجزون عن الإلمام بأبسط بديهيات العالم الرقمي، ولهذا تصطف من ورائهم حشود غفيرة من إعلاميين وموظفين حكوميين وهم جميعا يشكّلون قافلة الورقي التي ستجد نفسها يوما بعد يوم معزولة في جزيرة الورقي التي انتهى عمرها الافتراضي وآن لها أن تستسلم للفضاء الرقمي وترحّل كل شيء إليه.

كاتب عراقي

طاهر علوان

:: مقالات أخرى لـ طاهر علوان

طاهر علوان

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر