الثلاثاء 22 اغسطس/اب 2017، العدد: 10730

الثلاثاء 22 اغسطس/اب 2017، العدد: 10730

النزاهة المظهرية

النزاهة المظهرية تتحول إلى عبء على القول والفكر معا، وتنزاح بالإحالة المرجعية من قصدها النبيل، إلى ضرب من التدليس الشكلي اللئيم.

العرب شرف الدين ماجدولين [نُشر في 2016/04/27، العدد: 10258، ص(15)]

في مطلع كتاب “حفريات المعرفة”، يتحدث ميشيل فوكو عن الأساليب المخفية التي تنسج نصا ما، تلك الطبقات من المفردات والتراكيب التي تتداعى إلى الذهن في خلفية كل نص من النصوص بحيث يبدو النص الجديد مجرد تركيب لأصداد تلك الأساليب، والشيء الأكيد أن مجمل المرجعيات النصية تختزل في أسماء مفردة لروائيين وشعراء ونقاد ومسرحيين ومنظرين ممن امتلكوا هويات نصية فارقة، وبديهي كذلك أن بروز تلك الأصداء الأسلوبية على سطح النصوص، أو اختفاءها، تجليها أو كمونها، متصل بمدى قدرة المنشئ الجديد على تقديم فكرته الأصيلة، من هنا تتجلى فكرة الكشف عن مفردات الغير بوصفها مهارة في الإنشاء والنزاهة معا، لا تتأتى بيسر، إذ تحتاج إلى امتلاك للمعرفة المقتبسة ومفرداتها بشكل تام، وتحويلها إلى جزء من الذخيرة الذاتية للمبدع والناقد، بحيث تتجلى خطابيا بوصفها سبيكة تحليلية تتصل بأسلوب المتكلم ذاته وإن أحالت على آخرين.

أذكر في هذا السياق تلك المحاولات النقدية التي ظهرت في المغرب مع موجة الترجمات الأولى لنصوص البنيويين الفرنسيين في الفلسفة والتحليل النفسي واللسانيات والأنثروبولوجيا، منذ منتصف السبعيينات من القرن الماضي، حيث كان الخطاب النقدي مخترقا في مفاصله الأساسية بالعجمة وبالمفردات المشتقة على نحو فاسد، وبالعشرات من الأسماء المنوه بها في المتون التحليلية بما هي مرجعيات نظرية، وكنت أتساءل على الدوام بيني وبين نفسي، عن السر الذي يدفع هؤلاء المنشئين للأخطبة النقدية المختلفة إلى كتابة نصوص غامضة ومثقلة الاستطرادات والمجانية، يعسر فهمها برغم اتصالها بالعشرات من المرجعيات التي تبدو لي سائغة حين أعود لها في مضانها، كان ثمة شيء غير أصيل في كل ذلك الخطاب الهجين، يمكن أن نضع له عنوانا مختصرا في لفظ “الادعاء”.

ذلك أن الأساس من وضع المقال أو الكتاب ليس هو إنشاء معنى جديد ينهض على سند من أساليب وأفكار ومفاهيم سابقة لآخرين، وإنما الدافع هو استعراض تلك الأسانيد في ذاتها، بصيغة تجميعية تناوب بين المنقول والملخص والمستعار والمتصرف في مضمونه، مع تطريز الخطاب بما لا حد له من أسماء الأعلام المنقول عنها، وفي النهاية لا يحصل القارئ مغزى بذاته، وإنما يتوه بين دهاليز الشقشقة اللفظية والاستعراض الكلامي.

أستحضر هذا المعنى وفي ذهني العشرات من المواقف التي تجعل السرقة الفكرية تبدو مهذبة ومنطوية على براعة وموهبة حقيقيتين، إذا اتصلت بفهم أصيل للفكرة واستثمار حاذق لها في التحليل، بينما تتحول النزاهة المظهرية إلى عبء على القول والفكر معا، وتنزاح بالإحالة المرجعية من قصدها النبيل، إلى ضرب من التدليس الشكلي اللئيم.

كاتب من المغرب

شرف الدين ماجدولين

:: مقالات أخرى لـ شرف الدين ماجدولين

شرف الدين ماجدولين

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر