الثلاثاء 24 اكتوبر/تشرين الاول 2017، العدد: 10791

الثلاثاء 24 اكتوبر/تشرين الاول 2017، العدد: 10791

عند طبيب الأسنان

'هل تشعرين بأي انزعاج سوى كونك عند طبيب الأسنان؟'.. ألمح ابتسامة عينيه وقد علتا قناع الوقاية الأخضر.. وأردّ مشجعة نفسي وكأنني اُربت على كتف ثقتي..

العرب ريم قيس كبّة [نُشر في 2016/04/27، العدد: 10258، ص(21)]

بعد انتظار لم يدمْ طويلا.. أدخل العيادة يسبقني خوفي الطفوليّ.. أسلم على الطبيب وأجيب باختصار على أسئلته.. ثم أسمعه يقول “تفضلي”.. فأتمدد على الكرسي المعقم (أو طاولة الفحص كما يسميها الأطباء).. أخلع نظارتي.. وأغمضُ عينيّ وأفتح فمي في استسلام تامّ..

يتشرب أنفي رائحة القرنفل الممزوجة بالرهبة.. وتجتاح أذنيّ أصوات الأجهزة.. فتتفتق المخيلة عن ذكريات قديمة.. لكأنّ هذا الطبيب الرقيق المرهف يتحوّل إلى غول يمسك بيديه حفارة ضخمة تنجز حفرياتها في شارع فمي الذي دَمـّرتْ إسفلته الدبابات، ولم يعد يجدي معه غير إعادة إعمار تام وشامل..

أحسّ أولا بوخز الإبرة فأجفل.. وتحدثني نفسي المرتبكة التي تحاول أن تدثر وجلها بادّعاء اللامبالاة أن اهدئي.. يتناهى إليّ صوت أمي وأنا ابنة الخامسة “عيب ماما.. أنت كبيرة.. عيب تخافين وعيب تبجين”.. فأحاول أن أسمع الكلام خجلا، وأن أحبس دموع خوفي لئلا أحرج أمي أمام الطبيب..

وأحدّث نفسي المرتجفة “ألستِ كبيرة على الخوف والألم؟.. ألم تمرّ بك الحروب والموت والمحن والأزمات والأمراض والخيبات وأنت واقفة شامخة مثل نخلة؟ فلماذا يستبدّ بك الخوف هنا دون أيّ مكان آخر؟.. وما الذي سيفعله لك خوفك؟.. كيف يمكنك احتمال الألم أو الخوف من عدم احتماله وأنت ترتجفين؟.. كيف لك أن تجتازي أزمة لن تطول لأكثر من ساعة واحدة وأنت مصرّة على التمسك بخوفك وإذكاء ناره؟.. ألن يجعلك ذلك تشعرين بهذه الساعة اليتيمة وكأنها دهر من الرعب؟.. الرعب ممّاذا؟ ولماذا؟.. أمن أجهزة دقيقة بين أصابع طبيب ماهر يحاول أن يعيد العافية لأسنانك؟.. ألا تثقين به و…”.

– “تستطيعين أن تتمضمضي سيدتي..” يقطع الطبيب محاضرة عقلي التي كان يلقيها على عاطفتي المنفلته محاولا أن يجعلها تتحلّى بشيء من المنطق.. فأسحب نفسا عميقا وأنا أحس بالخدر يبدأ بالتسلل إلى نصف الفك العلوي ونصف الشفتين.. وأسمع صوت الطبيب مرة أخرى وهو يسألني بتأدّب وحنو وكأنه يقرأ أفكاري:

– “هل تشعرين بأي انزعاج سوى كونك عند طبيب الأسنان؟”.. ألمح ابتسامة عينيه وقد علتا قناع الوقاية الأخضر.. وأردّ مشجعة نفسي وكأنني اُربت على كتف ثقتي:

– “لا.. لا.. أبدا دكتور.. لست منزعجة من شيء.. فأنا أثق بك.. وأعلم أنني في أيد أمينة.. وهذا يكفي ليجعلني أسترخي”.. فيقول:

– “لديك الآن بضع دقائق للاسترخاء ريثما يأخذ المخدر مفعوله”.. فأتنفس صعدائي وأعود إلى حوار العقل والعاطفة لأستغرق من جديد في أسئلتي لنفسي.. تحدثني مشاعري التي تراكمت بالتجربة بأنه لا بدّ أنني أملك شيئا من “فوبيا طبيب الأسنان”.. ويحدثني عقلي وقراءاتي بأنني أستطيع حتى أن أستمتع بالتجربة رغم أنف الفوبيا إذا ما قررت ذلك.. ولكن كيف؟..

أسمع صوت الطبيب مرة أخرى “هل أنت مستعدة؟”.. تتصاعد نبضات قلبي وأنا أردّ بتظاهر “مستعدة جدا”.. فأغمض عينيّ مرة أخرى وأفتح فمي.. وأقرّر بحسم أنني مسترخية وسعيدة ولست خائفة من أيّ شيء..

أفتح أصابع كفي وأنا ألقيها في حضني بلا حراك.. لا أسمح لأيّ جزء مني بالتشنج من أصابع قدميّ وحتى حاجبيّ.. أرخي عضلات جسدي كلها بشكل تامّ وكأنني أستعدّ لحلم.. وأكرّر في سري “أنا مستعدّة جدا”.. وأخيرا أستعير ابتسامة عيني الطبيب عوضا عن ابتسامة فمي المشغول بأعمال الصيانة…

ريم قيس كبّة

:: مقالات أخرى لـ ريم قيس كبّة

ريم قيس كبّة

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر