الخميس 27 يوليو/تموز 2017، العدد: 10704

الخميس 27 يوليو/تموز 2017، العدد: 10704

خارج الزمن المغاربي

الاتحاد الأوروبي الذي يسعى حاليا إلى تفعيل اتفاق وقف تدفّق هجرة اللاجئين السوريين مع تركيا، والذي تمّ وفق شروط ومقاربات أنقرة، لا يريد اليوم فتح جبهة جديدة لاستقبال وإيواء المهاجرين من شمال أفريقيا.

العرب أمين بن مسعود [نُشر في 2016/04/29، العدد: 10260، ص(9)]

لن نجانب الصواب إن اعتبرنا أنّ توقيت اجتماع وزراء داخلية المغرب العربي في تونس، الاثنين الماضي، كان خارج الزمان المغاربي وهو في الوقت عينه صلب الزمان الغربي الذي تحدّده القوى العالمية الكبرى التي باتت اليوم تنتظر رخصة التدخل العسكري في ليبيا بطلب من حكومة الوفاق برئاسة فايز السرّاج.

تصريح وزير الخارجية البريطاني، فيليب هاموند، لصحيفة التلغراف الذي أكد خلاله استعداد القوى الغربية للتدخل العسكري بكافة أشكاله، بما فيه التدخل البري المباشر شريطة استدرار حكومة الوفاق لهذا الأمر، يبدو أنه مثل الإطار المرجعي لهذا الاجتماع الذي حضره وزير الداخلية الليبي الجديد بما تعنيه هذه الخطوة من توافق مغاربي على شرعية حكومة السراج التي لا تزال تعيش مرحلة “مكاسرة” الشرعيات في طرابلس وفي بنغازي على حدّ السواء.

من الواضح هنا أنّ شكل التدخّل الأجنبي في ليبيا سيكون أوروبيا صرفا لعدّة اعتبارات، يبدأ أوّلها من سياسة النأي بالنفس الأميركية المعلنة على الأقل إلى حين خروج باراك أوباما من البيت الأبيض نهاية العام الجاري، ولا تنتهي عند المخاطر الأمنية التي باتت تهدّد الضفّة الشمالية للبحر الأبيض المتوسّط بفعل سيطرة تنظيم داعش على مدينة سرت الساحليّة وتصديرها لإرهابيين تحت عناوين الهجرة غير الشرعيّة.

ويبدو أنّ الاتحاد الأوروبي الذي يسعى حاليا إلى تفعيل اتفاق وقف تدفّق هجرة اللاجئين السوريين مع تركيا، والذي تمّ وفق شروط ومقاربات أنقرة، لا يريد اليوم فتح جبهة جديدة لاستقبال وإيواء المهاجرين من شمال أفريقيا، وهو ما يفسّر الولادة القيصريّة والترحاب الدولي بحكومة السرّاج.

ذلك أنّ وظيفيّة الحكومة الوليدة في شرعنة التدخّل الغربي من جهة، والعمل على حراسة الحدود البحرية الجنوبيّة لأوروبا من جهة ثانية، والتحوّل إلى خطّ جبهة دفاع متقدّمة عن أوروبا من مخاطر الإرهاب والهجرة غير الشرعيّة تشكّل واحدا من أهمّ أسباب عقد الاجتماع الوزاري المغاربي في تونس.

هذه الأسطر ليست في وارد التقليل من شأن أيّ عمل إقليمي مغاربيّ مشترك في زمن صارت فيه التكتلات هي الرافعة الحقيقية للسياسات المؤثرة وللتأثير في السياسات الدوليّة، ولكن غياب أيّ مؤشرات بناء ثقة بين هرميْ الاتحاد المغاربي العربي، ونعني بهما الرباط والجزائر، في سياق استراتيجي حسّاس يفتح مجالا لإقرار فرضيّة أنّ الاجتماع جاء بطلب غربي بحت وبروتوكولات مغاربيّة رتيبة وسقيمة وعقيمة في عقم النادي المغاربي.

ذلك أنّ الناظر في مشهد المغرب العربي يبصر اختلافا حادا، نخشى أن يتحول إلى تناقض استراتيجي، بين الجزائر والمغرب في ملفّ الصحراء المغربية التي نفخ في رمادها الأمين العام للأمم المتحدة، بان كي مون، محوّلا المشكلة التي اتفق المغاربة على تحييدها لضمان الحدّ الأدنى من التعاون المشترك، إلى “معضلة وجوديّة” تحول دون التنسيق في قضايا الإرهاب، وتعمل على مأسسة التشرذم صلب الجسد المغاربي.

وعلى بعد ساعات من تقرير بان كي مون حول الوضع في الصحراء المغربيّة، والتي نصرّ من باب التاريخ والسيادة الوطنية بأنّها مغربية، يبدو أنّ الخلاف الثنائيّ انسحب على بقيّة العواصم العربيّة.

فبعد الزيارة الأخيرة التي أداها العاهل المغربي محمد السادس إلى الرياض واجتماعه بأعضاء مجلس التعاون الخليجي الذين دعّموا مقولة أنّ “المغرب باق في صحرائه والصحراء باقية في مغربها”، توجّه مطلع الأسبوع الجاري الوزير الجزائريّ المكلّف بملفّ الشؤون المغاربية عبدالقادر مساهل إلى دمشق لبحث ملفات عديدة، لعلّ من بينها المسألة الصحراوية التي سبق وأن أعلن النظام السوري موقفه الداعم للانفصال الصحراويّ في المنتظم الأمميّ بعد استضافة المغرب لمؤتمر أصدقاء سوريا 2.

بعيدا عن الخطاب البروتوكولي الرسمي حول الاجتماع المغاربيّ الذي جاء باهتا شكلا ومضمونا، تخاض حرب إعلامية على الجبهتين قاموسها الانفصال ومعجمها التشرذم وأدواتها أعلام غريبة الألوان وأهدافها كيانات هجينة ووهميّة، بعضها يلهج باسم الدولة الصحراوية والآخر ينادي باسم دولة القبائل شرق الجزائر.

ما أكثر الحرائق في المغرب العربي، وما أقل رجال الإطفاء.

كاتب ومحلل سياسي تونسي

أمين بن مسعود

:: مقالات أخرى لـ أمين بن مسعود

أمين بن مسعود

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر