الاثنين 1 مايو/ايار 2017، العدد: 10619

الاثنين 1 مايو/ايار 2017، العدد: 10619

'لعنة الكرسي' سرديات تونسية عن عالم الفساد وظلام الاستبداد

  • ظل الوعي السردي العربي طوال حقبة الاستبداد السياسي العربي الماضية، يحاول النأي بنفسه بعيدا عن مغامرة الكتابة، التي تعرّي واقع الاستبداد، وتفضح ممارساته وأساليبه القمعية في مصادرة حرية الناس وإهدار حقوقهم وكرامتهم الإنسانية، إما خوفا وإما بحثا عن منفعة ما. لكن بعض التجارب السردية، رغم قلتها قررت مواجهة واقع الاستبداد وطغيانه، والانحياز إلى صوت الحرية والإنسان الباحث عن الكرامة والعدالة.

العرب مفيد نجم [نُشر في 2016/04/29، العدد: 10260، ص(14)]

وجوه القمع والاستبداد

يمكن اعتبار تجربة الكاتب التونسي أبوبكر العيادي في مجموعته القصصية “لعنة الكرسي”، واحدة من أكثر التجارب نضوجا فنيا في مقاربة هذا الواقع وتعرية عنفه وفساده، وتشويهه لقيم الإنسان والحياة الكريمة.

أهمية هذا العمل القصصي لا تكمن في موقف الكاتب من واقع استبداد النظام التونسي، ولا في زمن صدوره إبان حكم الاستبداد وقمعه المخيف فحسب، بل في القيمة السردية والجمالية لقصص المجموعة، باعتبارها عملا أدبيا قبل أيّ شيء آخر.

منذ العنوان الرئيسي يضعنا الكاتب في فضاء التجربة، حيث يشكل عتبة سردية أولى، أو مفتاحا تأويليا يختصر معنى العمل، ويلعب دورا مهما في أفق التوقع عند المتلقي؛ يتألف العنوان من جملة اسمية، ذات بنية مجازية، تحيل في دلالتها على سلطة التأبيد، التي تتحول إلى لعنة على صاحبها وعلى المجتمع في آن معا.

المبنى والمعنى

في قصص هذه المجموعة، الصادرة عن وليدوف للنشر بتونس، تشكل قضايا القمع المعمم والفساد المستشري في المجتمع، الموضوعات المهيمنة على عالم القصّ، أو البؤر المركزية التي يظل النص يدور حولها. لا يكتب العيادي قصصه للتعريض بسلطة جائرة، بقدر ما يحاول أن يكشف عن آليات القمع العمياء بوصفها أداة ترهيب وإخضاع، في ظل غياب سلطة القانون، واستباحة أجهزة الأمن للمجتمع والدولة، وانعكاس ذلك على حياة الناس ومصائرهم وسلوكهم.

تتألف المجموعة من أربع عشرة قصة، تميزت بلغتها السردية المكثفة، وبنائها المحكم، وتنوع شخوصها، إضافة إلى تنوع طرائق السرد فيها، وبالتالي تنوع شخصيات رواتها وموقعهم داخل القصة، وإن كانت جميع هذه القصص ظلت تدور في إطار القصة الواقعية، من حيث البناء وجملة الاستهلال، وتطور الأحداث وتناميها في حركة خطية متعاقبة وصاعدة.

تدور أغلب أحداث قصصه في الأحياء الشعبية، باعتبارها الأكثر تعبيرا عن بؤس الواقع واستباحة سلطة القمع والفساد لها، حيث يلعب الوصف دورا مهما في الإيحاء بطبيعة الحياة الصعبة، التي يحياها الناس هناك. في القصة الأولى تتجلى المفارقة الصارخة في ظل تغوّل الأجهزة الأمنية وتعسفها، عندما يتحول فعل الأمانة الذي يقوم به بطل القصة، إلى سبب لاعتقاله، وتعرضه للتعذيب نتيجة الاشتباه به كمعارض، من قبل الشرطي الذي قام بتسليمه المحفظة التي وجدها في الشارع. لقد كان مجرد الشك به بسبب كتابات دونها أثناء قراءاته في دفتر صغير وجده الشرطي معه سببا كافيا لخوضه هذه التجربة القاسية، التي جعلته يكتشف ما يحدث من فظاعات مرعبة، من قبل تلك الأجهزة في أقبية الظلام بحق من أوقعته أقداره بين أيديها “انفتح الباب وقادني الشرطي الثاني مصفدا بالأغلال، ثم ألقى بي في جوف سيارة مصفحة من تلك السيارات التي يستعملونها في قمع المظاهرات، كانت مرصوصة رصا بأجساد لم أتبين في العتمة ملامحها”.

في هذه المجموعة تشكل قضايا القمع والفساد المستشري في المجتمع، الموضوعات المهيمنة على عالم القص

يلعب السرد بضمير المتكلم كما في قصص؛ بضائع المناولة، واعترافات عبدالواحد المشري، وإلى من يهمه الأمر، دورا مهما في إضفاء نوع من الحميمية على السرد، بسبب العلاقة المباشرة التي تنشأ بين الراوي والقارئ، بينما يأتي السرد في القصص المتبقية بضمير الغائب إلا في قصة واحدة يستخدم فيها الكاتب أسلوب الرسالة، ما يجعل المرسل إليه في هذا الخطاب محددا ومعروفا، هو أحد رموز الفساد الكبار.

إن هذا التنوع في قصص المجموعة لا يتوقف على موقع السارد ووجهة النظر، بل يمكن أن نجده في تنوع أشكال العتبة السردية بين قصة وأخرى، وفي تنوع التجارب التي تعيشها شخصياتها، ما يمنح هذه القصص تنوعا أسلوبيا وفنيا في مقاربة موضوعاتها، إضافة إلى محاولة تقديم شخصيات مختلفة يمكن من خلالها أن يطل القارئ على جوانب مختلفة من الواقع المعيش، ومن الأفعال التي تواجه بها هذه الشخصيات أقدارها فيه.

في بنية السرد

يغيب التنميط السردي على مستوى الأسلوب واللعبة السردية التي يقوم عليها بناء الحكاية، كما يغيب عن شخصياته، حتى في القصص التي يكون السرد فيها بضمير المتكلم، وما يفترضه ذلك من حضور قوي للراوي/ الكاتب في هذه القصص، باستثناء تقديمه لصفات شخصية رجل الأمن والمخبر، حيث يلعب هذا الوصف المحدد دورا في التدليل على مضمونها، وموقف الكاتب منها. وإذا كان العنوان يلعب دورا محوريا من خلال اختزاله لمضمون العمل، فإن التنويع في أساليب السرد يشكل دلالة على خبرة الكاتب ومقدرته على تقديم الحلول السردية لقصص المجموعة.

قصص تكشف الواقع البائس وتعري عنفه

يظهر التماسك في بنية القصة من خلال العلاقة القائمة بين جملة الاستهلال والخاتمة، حيث نجد الكاتب يستخدم في الغالب السرد الخطي التعاقبي والصاعد، باستثناء قصتي “إلى من يهمه الأمر” و”اعترافات عبدالواحد المشري”، اللتين يضع فيهما القارئ مباشرة في حدث القصة، بينما هو يستخدم تقنية الفلاش باك أو العودة إلى الخلف في قصة “بضائع المناولة”. إن هيمنة هذا الأسلوب المميز للقصة الواقعية، لا يلغي التنويع في أشكال العتبة السردية أو جملة الاستهلال، إذ يستخدم العتبة المكانية (وصف المكان) أو المكانية/ الزمانية في أغلب القصص، أو يلجأ إلى تقديم شخصية بطل القصة في “التقرير الطبي”، “بضائع متبادلة”، “لعبة الكراسي”، أو يقتحم حدث القصة في “بياع الكلام”.

تعدّ شخصيات رجل الأمن في قصة الطياب من أكثر شخصية قصصه تمثيلا لطبيعة نظام الإجرام والاستبداد، كما يجسده الكاتب عبر الكيفية التي يتمّ بها إعداد شخصية الجلاد نفسيا لتجريدها من أي حس إنساني أو أخلاقي تجاه ضحيتها، وذلك عندما يتمّ تدريبها على قواعد العمل، المتمثلة أولا بشخصنة العلاقة بينها وبين الضحية، واعتبار الفعل الذي قامت به موجها إليها في أكثر القضايا مساسا بشرفها. يقول الضابط لشخصية ضو التماسي وهو يعدّه لوظيفة الجلاد “احفظ عني إذن القاعدة الأولى، وهي الأساس: من الآن اعتبر أن كل من يمثل بين يديك عدوّا لك، تصور أنه إما راود زوجتك، أو اغتصب ابنتك أو شتم أمك أو هجّرك من بيتك”.

في هذه القصة يفضح لنا الكاتب الأساليب اللاأخلاقية التي تعتمدها سلطة الموت في نظام الاستبداد للتعامل مع معارضيها، أو من تشتبه به عندما لا تنفع وسائل الإفساد والإغراء معهم. هنا لا نقف عند الدور الذي يقوم به الجلاد في تلك السلطة، بل في الكيفيات التي يتم من خلالها بناء هذه الشخصية، وإعدادها لممارسة ساديتها الوحشية على من يقع ضحية لها.

:: اقرأ أيضاً

:: اختيارات المحرر