الثلاثاء 25 يوليو/تموز 2017، العدد: 10702

الثلاثاء 25 يوليو/تموز 2017، العدد: 10702

نزار موشيليان يرسم حواسه وأفكاره في وجوه متشابهة

  • قد يعتبر البعض أن تقديم معرض فني قوامه فقط لوحات موضوعها وجوه ذاتية، لا سيما أنها بأحجام وألوان وأشكال متشابهة، ضرب من ضروب المغامرة، ولكن ليس بالنسبة إلى صالة “مارك هاشم” البيروتية، فقد قدمت الصالة على مدى أسبوعين كاملين معرضا للفنان اللبناني نزار موشيليان تحت عنوان “بعضا مني”.

العرب ميموزا العراوي [نُشر في 2016/04/29، العدد: 10260، ص(17)]

أقنعة يصعب اختراقها بصريا وفكريا

بيروت - سبق لصالة “مارك هاشم” البيروتية أن قدمت معرضا خاصا بالوجوه منذ فترة قصيرة جدا للفنان عبدالقادري فيه وجوه كثيرة ومتشابهة، ولكنها معجونة بالأفكار والمشاعر المتحولة، خلافا لوجوه الفنان نزار موشيليان الممتنعة عن الصرف إلى حدود بعيدة.

أول ما يتبادر إلى ذهن المشاهد وهو يتجول في أرجاء المعرض، هو المثل القائل “لا تبحث كثيرا، فأنت لن تعثر في الموتيلات الأسبانية إلاّ على ما تحضره معك إليها”، إذ يشعر المتلقي أن “وجوه” الفنان لا تريد أن تقول شيئا مهما بالنسبة إليك كمشاهد، إن ما تقوله هو مهم بالنسبة إليها فقط، إبهام أو ربما غياب للمعنى خارج التشكيل التقني البارع.

تنتظر الوجوه منك أن تجد فيها ما تريد أن تجده، وأن تحضر إليها بعضا من ذاتك أنت، حتى تتمكن من أن تبني أثناء تجوالك في المعرض نصا متينا يصلح لأن يكون جسرا بينك وبين الأعمال المعروضة.

يخفّ هذا الشعورعند زائر هذا المعرض دون أن يختفي تماما، عندما يتمعن في الرؤوس المرسومة التي نادرا ما تغير من وضعيتها، أو اتجاه نظراتها.

نظرات انغلقت على بعضها أجفان تنوء تحت ثقل اللون الموضوع عليها، بعض لوحات الفنان تظهر وجوها مرسومة من الناحية الجانبية، ولكن ذلك لم يجعلها مختلفة كثيرة من الناحية التعبيرية، بل من الناحية التشكيلية.

هامات صامتة

كل الأعمال المعروضة هي بأحجام كبيرة ومشغولة بمادة الأكريليك، معلقة جنبا إلى جنب ومُشكلة مشهدا عاما يريد أن يفرض ذاته في الصالة. يحاول نزار موشيليان في هذه اللوحات أن يقبض على وجوهه وينجح في ذلك، لأنها تبدو في الصالة أشبه بهامات صامتة تتحدى الناظر إليها، ولكن بنبل رغبته في الظهور بالشكل الذي يرتئيه هو دون غيره من الناس، حيث تحافظ الوجوه على تعابير متشابهة لا يمكن اختراقها إلى ما هو أبعد.

"وجوه" موشيليان لا تريد أن تقول شيئا مهما بالنسبة إلى المشاهد، إن ما تقوله هو مهم بالنسبة إليها فقط

وقد أشار الفنان إلى ذلك عندما أطلق على معرضه عنوان “بعضا مني” ولكن، ليس أكثر، ولا أقل. ولا تبعثر رتابة الوجوه المرسومة إلاّ ضربات ريشته المتنوعة التي يبدو أنها عكفت على أن تكون هي مضمون الأعمال، لا أفكار، لا مشاعر، فقط هذه “الأنا” التي تشير إلى حضورها وسط الآخرين.

تعددت وتشابهت وجوه الفنان واختلفت فقط في تلقيها لضربات ريشته النزقة التي تحاول في التكرار أن تكرس ذاتها على الساحة الفنية، غير أن هذه الوجوه رزحت في لوحات أخرى تحت سحاب كثيف من طبقات لونية تراوحت ما بين الأزرق والأحمر، حتى كادت أن تكون أقنعة يصعب اختراقها بصريا وفكريا.

ديجيتالية الوجوه

البحث والهمّ التقني عن كيفية بناء الوجوه واضحان بشكل كبير في وجوه نزار موشيليان، وهو ما جعل أعماله أقرب إلى دراسة منها إلى لوحات ناضجة فنيا.

تقاوم لوحاته مفهوم البُعد، إذ تحدّ ضربات الريشة وألوانها، التي تفتقر في مواضع كثيرة إلى التدرجات والإيحاءات، من تشكيل الأحجام.

تبقى وجوهه أشكالا مُسطحة تطلب من المشاهد ألا يحاول العثور على أي ديناميكية بينها وبين خلفية اللوحة، لا خلفية للوجوه المعروضة، لا حضور إلاّ لرؤوس موصودة توّد لو يخترقها نظر المُشاهد، فتحيا في عينه وفي التحولات التي يضفيها عليها.

يجدر التذكير بأن الفنان لم يدع بناء لوحة متكاملة، وهو في عنوان معرضه “بعضا مني” ينبّه المشاهد بأنه لن يرى في الصالة إلاّ شذرات منه، شذرات في وجوه تأبى حتى أن تفتح باب الحوار معه.

وجوه الفنان تشابهت واختلفت فقط في تلقيها لضربات ريشته النزقة التي تحاول في التكرار أن تكرس ذاتها

يعتبر الفنان أن كل فرد منا هو “نتيجة لانصهار نماذج لملامح بشرية مختلفة”، غير أن متلقي اللوحات قد يعثر في وجوه نزار موشيليان على ملامح لآلات بشرية، إذا صحّ التعبير، فهناك شيء من جوّ “الديجيتالية” الباردة في لوحاته يجعل من ملامح وجوهه وتفاصيلها مكونة من إشارات محدودة ورتيبة حينا، ومتواترة وشبه تنقيطية، وتجزيئية حينا آخر.

يُذكر أن الفنان هو من مواليد 1966، بدأ باكرا مسيرته الفنية متأثرا بالفن التنقيطي وبفن بيار سولاج، وخاصة بكيفية استخدامه للون الأسود.

سولاج هو فنان تميز بمعاداته للتعبيرية وتشكيله لنص فني تميز بالتقشف اللوني و”صلابة” اللون الأسود الذي غالبا ما ظهر في حالاته الأكثر فظاظة عندما وضعه طبقات غير متجانسة فوق بعضها البعض.

يقول الفنان نزار موشيليان إنه تأثر أيضا بجرأة الفنان التجريدي مارك روتكو، لا سيما في استخدامه للتجاورات اللونية، وإن لم يكن ذلك ظاهرا بشكل واضح في لوحاته المعروضة.

يعتبر الفنان أن سنة 2010 كانت سنة مفصلية بالنسبة إليه، من دون أن يدلي بتفاصيل إضافية حول أهمية هذه السنة. إنها السنة التي قرر فيها أن يمضي لوحاته باسمه الأصلي نزار معلنا بذلك عن بداية تحقيق هويته الشخصية كإنسان وكفنان على حد السواء. ويمكن اعتبار معرض نزار موشيليان بداية ناجحة لمقطوعة موسيقية ثمينة لم تعلن بعد عن كامل حضورها، ولكنها من دون شك تبشر بجمالية تحولاتها.

:: اقرأ أيضاً

:: اختيارات المحرر