الخميس 29 يونيو/حزيران 2017، العدد: 10676

الخميس 29 يونيو/حزيران 2017، العدد: 10676

أليس في بلاد الحقائق

غالبا ما يكون القاتل هو الضحية في الأعمال التي تنتمي إلى هذا النوع من الفن، لأجل ذلك ربما تبهت الغنائية في الأعمال لتحل مكانها أصداؤها الفكرية.

العرب ميموزا العراوي [نُشر في 2016/04/29، العدد: 10260، ص(17)]

كل تيار فني هو وليد زوابع عصره، هذه هي الركيزة المنطقية والمتعارف عليها التي تُبنى على أساسها أي دراسة لشكل أو مضمون أي عمل فني كان، لذلك لن يصعب أن تلاحظ ولادة تيار فني أطلق عليه اسم “الفن السوريالي الجديد”، أو فن “الماس ميديا سورياليزم”.

في هذا العصر الذي نعيش فيه ترى إنسان اليوم، مثل ما رأيت أليس في الرواية الشهيرة للكاتب لويس كارول، تراه يلاحق أرنب ما بعد الحداثة المتوتر ذا العينين الحمراوين من قلة النوم، ليقع في جحره العميق، وخلال سقوطه اللولبي في جحره، يريه الأرنب الحاذق الأهوال ألوانا وأشكالا فيدرك، أي الإنسان، أنه أصبح في حقبة جديدة وأمام واقع حقيقي من صنع يديه، أكثر مما هو خيالي وعجائبي، حتى لو بدا عكس ذلك.

وكما حصل مع أليس بطلة الحكاية، وجد الإنسان نفسه يدور تباعا حول أشياء وحوادث عالمه مُختلقا مفردات خالية من أي معنى، وأخرى فضفاضة تمكّنه من شتى ضروب التأويل والتفسيرات المتناقضة.

تاه إنسان اليوم مثل أليس، في المتاهات اللغوية التي من شأنها أن تولّد الالتباس وتُلبس الكلمة الواحدة أكثر من معنى، فأجاز لذاته أن يختار من الكلمات والتعابير ما يبرر له شتى أنواع الانتهاكات بحق الآخرين.

في هذا المحيط المتردي إنسانيا وأخلاقيا ترعرع هذا النوع الناشئ من الفن المُسمى بـ”الماس ميديا سورياليزم”، وانضوت تحت لوائه شتى الأنواع الفنية من لوحات تشكيلية وفنون ديجيتالية وتجهيز وفيديو آرت.

يدور في فلك هذا التيار الفني عدد كبير من الفنانين الغربيين والعرب على السواء، وهم في ازدياد مطرد، منهم الفنان البولوني باول كوكنزكي الذي ربما هو من أهم الفنانين الذين تعاملوا مع فظائع العالم المعاصر دون أن تظهر أي نقطة دماء في أعمالهم. أعماله تتميز ببراعة تقنية لا تشير إلى ذاتها، بل وضعها الفنان كليا بتصرف ذهنه المتوقد وعينه الحاذقة.

نذكر أيضا الفنان الأميركي أليكس غروس الذي رسم المجتمعات المعاصرة وهي تعج بالألوان الزائفة والاكتفاء الكاذب. وفي نفس السياق نذكر الفنان السوري قيس سلمان، خاصة في معرضه البيروتي الأخير الذي حمل عنوان “مجتمع متحضر”، حيث يصور الكائنات السياسية والإعلامية كمسوخ حمراء اللون لا يرشح منها إلاّ الرياء، وترتسم على أفواهها الابتسامات “الهوليوودية” المريعة.

وأيضا هناك الفنانة والمصورة الفوتوغرافية المصرية نرمين حمام، خاصة في معرضها الذي استوحته من مشاهداتها للقاهرة خلال الثورة. اعتمدت الفنانة في بناء نصها على الصور الفوتوغرافية للجنود المصريين واشتغلت عليها بالألوان الأكريليكية.

إذا تميز الفن السوريالي الأسبق بشكل أساسي وربما حصريّ بالعجائبية وبدمج الواقع في عالم الأحلام، فالفن السوريالي الجديد، أو الماس ميديا سورياليزم هو تيار أوسع منه، إذ تبنى مقاربات بصرية تجمع ما بين أشياء ومخلوقات الواقع، وزوبعة الأهوال ما بعد الحداثية التي تفوق حد الخيال من إجرام وفساد وتشويه وتجاهل للمبادئ الإنسانية، كما قام هذا النوع من الفن بفضح أخطار شبكات التواصل الاجتماعي.

يعتمد هذا النمط من الفن وبشكل كبير على ما تريه وسائل الإعلام التقليدية والمعاصرة من صور عن الآفات المستشرية في المجتمعات، وفي حين يقدم الفن السوريالي السابق ذاته على أنه ما فوق، أو ما بعد الواقعية، تقدم السوريالية الجديدة ذاتها على أنها الحقيقة عينها، وقد تخطت فظائعها حدود الخيال.

إنها سوريالية تستقي مواضيعها من الأوضاع النفسية والاقتصادية، والسياسية والاجتماعية والأمنية المتردية، ولكن بسخرية عالية النبرة وبعيدة بشكل عام عن الغنائية.

غالبا ما يكون القاتل هو الضحية في الأعمال التي تنتمي إلى هذا النوع من الفن، لأجل ذلك ربما تبهت الغنائية في الأعمال لتحل مكانها أصداؤها الفكرية.

إذا كانت أليس قد هوت ولفترة محدودة إلى بلاد العجائب المُختلقة هربا من تحولات المراهقة المُضنية، فما الذي جعلنا نخترع ومن ثم نهوي إلى ما اخترعناه: عالم مشحون بالحقائق الفظائعية التي تفوق الخيال، غيّر انهيار شتى أنواع المنظومات الأخلاقية؟

ناقدة من لبنان

ميموزا العراوي

:: مقالات أخرى لـ ميموزا العراوي

ميموزا العراوي

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر