الثلاثاء 17 يناير/كانون الثاني 2017، العدد: 10515

الثلاثاء 17 يناير/كانون الثاني 2017، العدد: 10515

حتى لا نتعثر بالحجارة

لو استمرت المملكة في عملها ضمن الرؤية التنموية الثقافية المحافظة فنحن أمام معضلة تكرار الذات عبر إكسابها ملابس جديدة دون تغيير حقيقي في عمق تجربتها.

العرب زكي الصدير [نُشر في 2016/05/01، العدد: 10262، ص(13)]

ضمن رؤية التحول الوطني 2030، التي أقرّها مجلس الوزراء السعودي مؤخراً أخذت الحالة الثقافية حقها من الرؤية الاستراتيجية، وذلك عبر تصوّر شمولي اشتمل على تخصيص الأراضي لإقامة المتاحف والمسارح، وكذلك دعم الموهوبين من الكتّاب والمخرجين والفنانين. ويرى المتابعون للمشهد الثقافي السعودي بأن الفرص الثقافية المتوافرة حالياً لا ترتقي إلى تطلعات المواطنين الذين كبر وعيهم بالعالم وثقافاته، والمقيمين الذين أتوا من بيئات ثقافية مختلفة لها عمقها الإنساني.

هذا المشروع الوطني الضخم وضع المثقفين السعوديين أمام مجموعة أسئلة حول مدى جدية التطلعات الثقافية السعودية المستقبلية في مشروع التحوّل الوطني، من مسرح، وسينما، وموسيقى، ورقص، وفنون جسدية تعبيرية. فهل هنالك تفاؤل من قبل المثقفين والمشتغلين في الثقافة بالمستقبل؟ وهل ستغيب حاكمية التيار الديني السلفي وآثاره على المنتج الثقافي في السعودية؟ وهل سينعكس ذلك على ثقافة التعليم، فستحيّد المناهج الدينية ذات المرجعية الوهابية، وستدخل بديلاً لها في المناهج الجديدة العلوم الإنسانية التي تحفّز على التفكير وخلق الأسئلة، مثل الفلسفة والمنطق المحرّمتين؟ وهل ستحدّث مناهج جديدة في تعليم الموسيقى المحرّمة ضمن التعليم الرسمي العام؟

إنها أسئلة حقيقية، لا يمكن الإجابة عنها إلا بالتكهّن. فالنظر لمعطيات الواقع الحالية يقودنا إلى أن هنالك مواقف تقدّمت بها الإرادة السياسية بالداخل بهدف تهيئة الأرضية لاستكمال المشروع الثقافي والتعليمي الوطني المستقبلي دون معوّقات من التيار الديني السلفي. لهذا واجهنا قبل فترة بسيطة تحجيم هيئة الأمر والنهي عن المنكر، وكذلك الضرب بيد من حديد من قبل الداخلية على الأصوات الدينية المعارضة لهذا التوجه دون أن تتنازل عن عمقها العربي والإسلامي بسبب وجود الحرمين الشريفين.

لو استمرت المملكة في عملها ضمن الرؤية التنموية الثقافية المحافظة فنحن أمام معضلة تكرار الذات عبر إكسابها ملابس جديدة دون تغيير حقيقي في عمق تجربتها، نحن بذلك سنكون قد قدّمنا واجهة ثقافية براقة خلف بيوت للصفيح. فحين تذهب الرؤية المستقبلية في طموحها لافتتاح أكبر متحف إسلامي في العالم، ومضاعفة المواقع الأثرية في اليونسكو، وما إلى ذلك من المشروعات التي كان يحاربها التيار الديني طوال السنوات الماضية بشكل رسمي، وذلك عبر تحريم زيارتها مثل مدائن صالح التي سمح بزيارتها من وقت قصير جداً، وبعض المقابر القديمة في مناطق مختلفة من المملكة، والقلاع الثماني الأثرية الهامة، وقبر (أمنا حواء) الذي تم إغلاقه عن طريق طمره بالإسمنت على إثر قرار من هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في عام 1975، على خلفية صلاة بعض الحجاج في المقبرة أثناء موسم الحج لذلك العام.

وكذلك تهديم أضرحة مقابر البقيع الأثرية، وإغلاق المساجد السبعة في المدينة المنوّرة، وغيرها من المواقع التاريخية التي يعود بعضها لما قبل الإسلام بمئات السنين. الأمر الذي يدللنا على مدى “شحّ الخدمات الثقافية” التي أشار لها ولي ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان. حيث يجب أن نتساءل معه عن أسباب هذا الشح، وعن كيفية معالجته ضمن الخطة الاستراتيجية القادمة.

وعليه، لا بد من وضع قواعد قبل الانطلاق في الاستراتيجية الثقافية القادمة، وذلك أولاً بكف الأسباب الدينية المعوّقة، وإطلاق اليد الثقافية، وأيضاً عبر دمج الأندية الأدبية والجمعيات الثقافية ضمن مراكز ثقافية موحدة لها رؤيتها الفنية الناضجة وميزانيتها ومخصصاتها التي تتناسب مع هذه الرؤية، وتسليمها لمدراء ثقافيين أصحاب خبرة إدارية وفنية عالية. وقبل ذلك كله لا بد من تشريع نظام يسمح بإنشاء جمعيات للكتاب والمثقفين السعوديين لتكون مظلة مستقلة تحميهم من التلصص عليهم من هواجر الصحراء ومن التأويلات الدينية المفتوحة. وضمن هذه الاستراتيجية يجب استقلال وزارة الثقافة عن وزارة الإعلام حتى لا يكون المثقف جزءاً من الإعلام الرسمي. أو إطلاقها ضمن هيئة ثقافية عليا في البلاد.

صحيح أننا أمام 14 عاماً من التحوّل التدريجي المنتظر، ولكن يجب علينا أن نضع أقدامنا على أرض ثابتة إن أردنا فعلاً القفز عالياً دون التعثر بالحجارة.

شاعر وكاتب من السعودية

زكي الصدير

:: مقالات أخرى لـ زكي الصدير

زكي الصدير

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر