الاثنين 20 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، العدد: 10818

الاثنين 20 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، العدد: 10818

دكتاتوريون لكن كاريكاتوريون

قالت لي يوماً بوابة المدينة الجامعية التي كنت أسكن فيها في سان بطرسبورغ (ماما شورى): عندما جاءنا خبر موت ستالين أصبنا بصدمة هائلة والكل كان يتساءل ماذا سيحل بنا بعد موت ستالين.

العرب أحمد برقاوي [نُشر في 2016/05/01، العدد: 10262، ص(11)]

تتميز السلطة الدكتاتورية في أيّ بلد تحكمه باحتكار القوة العسكرية والأمنية والإدارية. وجميع الدكتاتوريين بلا استثناء أصحاب سلطة مطلقة، وينظرون إلى البلاد والعباد على أنهم ملكية خاصة.

وأما ما تبقّى من قول حول آليات استخدام القوة في حال السلم وفي حال تهديد السلطة فأمور معروفة في التاريخ.

ودراسة سلوك عدد من الدكتاتوريين كستالين وماتوتسي تونغ وهتلر وموسيليني وفرانكو وعبدالناصر تبين أنهم يتوافرون على أيديولوجيا شمولية يسعون لتحقيقها وبعضهم يفكر خارج حدود الدولة التي يحكمها عبر كل أشكال القوة، وتسير وراءهم في لحظة من اللحظات قوى شعبية كبيرة وكبيرة جداً أحياناً، فالشيوعية تقف وراء ستالين، والنازية تقف وراء هتلر، والفاشية تقف وراء موسيليني، وشعارات التحرر والقومية العربية تقف وراء عبدالناصر.

هذا النمط من الدكتاتوريين يحتلون في وعي جمهور من الناس دور المخلصين، وشيئا فشيئا يتألهون.

كان الألمان حين يطل هتلر عليهم يصرخون في حالة جنون ويذرفون الدمع بطريقة هستيرية. وقالت لي يوماً بوابة المدينة الجامعية التي كنت أسكن فيها في سان بطرسبورغ “ماما شورى”: عندما جاءنا خبر موت ستالين أصبنا بصدمة هائلة والكل كان يتساءل ماذا سيحل بِنَا بعد موت ستالين، لقد ركبنا القطارات دون أجر وهرعنا إلى موسكو والدموع تنهمر من عيوننا.

ما إن كان يعلن المذياع بأن عبدالناصر سيلقي خطاباً في الساعة “كذا” حتى تتكون حلقات الاستماع وتتوقف الحياة العملية، وحين مات عبدالناصر أصاب الناس شعور هائل بالفقد، يومها بكت دمشق وذهب الآلاف إلى السفارة المصرية بحالة عفوية.

كان الدكتاتوريون بكل قسوتهم وقسوة أجهزتهم الأمنية التي تصل حد القتل ينظرون إلى البلدان من زاوية قوتها. فلقد ارتبطت الصناعة السوفييتية بستالين، وارتبط تقدم ألمانيا التقني بهتلر وارتبط تقدم مصر بعبدالناصر حيث حقق الإصلاح الزراعي وأمّم قناة السويس وأشاد السد العالي، وبنى مصانع الحديد والصلب.

لا شك بأن الدكتاتوريين يخلّفون وراءهم خراباً مجتمعياً وثقافياً وإنسانياً وبخاصة بعد موتهم لكنهم كحالة تاريخية هم هكذا، فضلاً عن ذلك، فجميع الدكتاتوريين الأيديولوجيين الطغاة كالأسماء التي ذكرتها، يزهدون بكل شيء إلا السلطة السياسية، ولهذا فهم يموتون فقراء، ويتحدث العقل العامي عن زهدهم بنوع من المدح.

أذكر هؤلاء الدكتاتوريين الذين مازالوا حاضرين في الوعي على أنحاء مختلفة، وأنا أتأمل دكتاتوريينا الكاريكاتوريين، الذين لا عصبية أيديولوجية شمولية عندهم، ولا هم شاعرون بأهميتهم، وكل ما يفعلونه سرقة العباد والبلاد، ويستدعون المجرمين من أوباش كل الطوائف، ويستقوون على شعوبهم بجيوش غريبة، ويلقون بالقنابل على قرى البلاد ومدنها. وحولهم مجموعة من المجرمين الخُلّص.

لا شك بأن كل دكتاتورية شر، ولكن هذا النمط من الدكتاتوريين المسخرة، ليس شراً عادياً، بل هو الوسخ التاريخي الذي ينشر وباء الشر المطلق لتدمير الحياة كلها.

كاتب من فلسطين

أحمد برقاوي

:: مقالات أخرى لـ أحمد برقاوي

أحمد برقاوي

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر