الاربعاء 24 مايو/ايار 2017، العدد: 10642

الاربعاء 24 مايو/ايار 2017، العدد: 10642

الشاعرة عائشة السيفي: الشعر يخرج من المقابر الجماعية

  • يقدّم المشهد الثقافي العماني مشاريع مثقفيه بهدوء شديد، غير أن من يطّلع على هذا المشهد يدرك أن ذلك الهدوء ترقد وراءه جدية في العمل ساهمت في إنتاج نصوص وتجارب كتابية وإبداعية مختلفة. “العرب” التقت بالشاعرة العمانية عائشة السيفي للحديث معها عن تجربتها الشعرية وحول بعض القضايا الثقافية في عمان.

العرب زكي الصدير [نُشر في 2016/05/02، العدد: 10263، ص(15)]

للشعر أثر قهوة على مزاج يوم عابر

أصدرت الشاعرة العمانية عائشة السيفي مؤخرا مجموعتها الجديدة “أحلام البنت العاشرة” عن دار مسارات الكويتية، وتأتي هذه المجموعة بعد “البحر يبدل قمصانه” الصادرة عن دار رياض الريس، وبين هاتين المجموعتين بقيت السيفي الشاعرة والمثقفة التي تتلمس على الدوام مناطق الألم في جسد أمتها لتعاينه وتتكلم عنه بلغة استطاعت أن تشكّل لها قاعدة جماهيرية كبيرة في عمان وخارجها، ولا سيما من خلال مدونتها “حرية بثمن الخبز” التي تكتب من خلالها في شتى المجالات الاجتماعية والثقافية والسياسية، وتحاول هذه الأيام أن توثّق تجربتها في العيش بهولندا قبل عودتها إلى مدينتها نزوى، هذه المدينة العمانية الساحرة التي ذابت في نصوص السيفي ولغتها إلى درجة التماهي.

أحلام البنت العاشرة

تقول السيفي عن مجموعتها الأخيرة “لا تبدو لي أحلاما مختلفة عن تلك التي تساور بنتا قادمة من قرية صغيرة حيال العالم، وهي على أي حال لم تكن أكثر تعقيدا من أحلام ارتداء فستان جميل، حذاء بكعب عال، التقاط صورة مع حبيب الطفولة، الممثل الشهير ذي العينين الزرقاوين والذقن المخضر، الأحلام الصغيرة والتافهة التي تراود البنت الصغيرة، والتي تحثّها على أن تكبر دون خوف. غير أن مجموعة أحلام البنت العاشرة تنطلق كنص من فكرة مغايرة قليلا هي فكرة معالجة علاقتها بالموت”.

في مجموعة “أحلام البنت العاشرة” يقف القارئ على قاموس لغوي خاص بذاكرة الأرض ويومياتها بمعناها العميق، فهنالك الكثير من الجثث في نصوص هذه المجموعة -حسب ما تعبّر عنه عائشة- تقول “هي جثث ملتصقة بالذاكرة البعيدة لموتى لا يريدون أن يغادروا ذاكرة البنت، لكلام لم يقولوه بعد أو حديث لم يكملوه. ولكنني مستعدّة لاستنطاقها، وشرب فنجان قهوة معها، وإمضاء ليلة من الضحك الهستيري، وتبادل الأدوار، ومواساتها في أن الأرض وهم لا يُبكَى عليه، كما أقول لصديقتي الميتة في آخر نشيد الأرضيّة قبل الأخيرة «وثنٌ هذه الأرض.. آنَ الأوان لنعبرها صامتين».

النصوص في هذه المجموعة هي بنات الذاكرة المسكونة بالأرض، والبحر، وبصراخ أطفال الجيران الذين تبعد نافذتهم عن بيتنا مسافة نصف متر، خلال نهارات الصيف القائضة في نزوى، وببحارة العقر القديمة، بالإنسان، وبأبي، أبي الذي خرج من عزلة الحياة إلى عزلة الموت”.
الشاعر -كما هو حال ابن الشارع العربي اليوم- لم يعد يكترث بالقضايا الكبرى التي هتف لها من سبقوه

تحمل قصيدة السيفي عوالم من الأسئلة الكونية؛ الموت، الإنسان، الذاكرة، الحب. إنها سيرة لشاعر يقف على ضفة الهاوية/ الخراب. هذا الأمر جعلنا نتوقف مع عائشة حول قدرة الشعر على أن يكون خلاصا في زمن الحرب.

تجيب ضيفتنا “لقد طرح هذا السؤال عليّ كثيرا وعلى زميلاتي حين كنّا، نهاية 2015، في رحلة شعريّة لطيفة إلى النمسا عبر مبادرة اسمها سمفونية الربع الخالي، مبادرة تحاول كسر الصورة النمطية للإنسان «ابن الصحراء والبترودولار» بالشعر الجميل. حسنا ما الذي يمكن أن يفعله الشعر في زمن الدم هذا؟ أن يقدم حلا؟ لا. أن يكون خلاصا؟ لا. أن يعكس واقعا؟ لا. عليه فقط أن يستمر دون أن نثقله بسقف توقعات عال، عليه فقط أن يستمر فيما تستمر خطابات الكراهية والتسطيح، خطابات الفكر الواحد والصفّ الواحد. الخطابات التي تجيّش الناس لمعتقد ما ضدّ آخر، لشخص ما ضد شخص آخر، لقومية ما. عليه أن يظلّ شعرا وسط كل اللاشعرية التي نعيشها، وعليه أن يكبر وسط هذه التربة، وإن لم يستطع مقاومة كل ذلك فعليه أن يصنع منه شيئا جميلا، نصا جميلا خارجا من سيرة المقابر الجماعيّة”.

وتتابع السيفي “أنا أنظر إلى جمال النصوص التي أقرأها هذه الأيام لشعراء يمنيين كعامر السعيدي وميسون الأرياني وأخرى، ولشعراء سوريين ولبنانيين وأقول في داخلي إنّ الأمر الوحيد الذي يعزيني في حالة الموت المزمنة التي أصيبت بها هذه الشعوب هو هذا الشعر الجميل.

كأثر قهوة

سيرة شاعر يقف على ضفة الهاوية/ الخراب

توقفت عائشة السيفي لتتساءل، هل بقيت هناك قضية قومية تجتمع عليها بلداننا العربية لتحضر في ذاكرة الشعراء وفي يومياتهم. تقول “الأجيال اليوم مدفوعة في أقصى همّها إلى أن تعيش؛ هنالك أكثر من 10 ملايين سوري بين قتيل ولاجئ ومفقود، هنالك الآلاف من العوائل اليمنية التي فقدت منازلها تحت وطأة الحرب. الشاعرُ اليوم يريد أن ينجو ويريد أن يأكل، ويريد سقفا لينام تحته، ويريد أن يبحث عن غد آخر لا يقلق فيه على وفرة فطوره الصباحي أو وجود حذاء يقيه لسع الأرض. وقد يكون هو أيضا مشغولا بالمناوشات والمشاكسات التي لا تنتهي حول من هي الفئة الضّالة ومن هو معنا ومن هو ضدنا، الشاعر -كما هو حال ابن الشارع العربي اليوم- لم يعد يكترث بالقضايا الكبرى التي هتف لها أبوه، والتي خرجت من أجلها الجماهير العربية هاتفة من الشمال إلى الجنوب”.

وتتابع “إن قدر الألم والموت الذي أنهك روح هذه الشعوب جعل القضية الكبرى الواحدة التي يجمع عليها شاعر في بلد بشاعر في بلد آخر فكرة تنظيريّة ممجوجة لا أكثر. حتى الله نفسه أصبح مختلَفا عليه، كلّ فئة تنسبه إلى نفسها. لنتوقع من الشعر اليوم أثرا خفيفا ليس أكثر من أثر قهوة على مزاج يوم عابر، ليكن له أثر العصفور على جمال النافذة، ليكن له الأثر الذي يتركه فينا الضحك. ليس أثرا طويل الأمد، ولكن بقدرة عالية على التسلل بذات الخفة إلى أعماق قارئ عُماني أو مغاربي أو لبناني، لم تعد تجمعهم قضية كبرى سوى تفاصيل الحياة الصغيرة التي تذكرهم بإنسانيتهم”.

تتهكم عائشة السيفي من الرأي الذي يقول بأنه لا توجد أي تجارب شعرية نسائية في الخليج تستحق الإشادة والمتابعة، وأن الجيل النسائي الشعري الجديد يأتي ضمن مشهديات ثقافية متشابهة لا تمتلك بصماتها الإبداعية الخاصة.

تقول ضاحكة “هنالك من لا يرى أي تجارب شعريّة حقيقية في الخليج ذكورا أو إناثا، بودّي أن أضع هنا ابتسامة متهكمة. هذه التهمة مكرسة بفعل عاملين: أولا، على اعتبار أنها تحمل جواز سفر دولة بترولية، المرأة فيها -كما يسوّق- لا تعاني، لم تجرّب الجوع، ولم تنم في العراء، وهي تقود سيارات فخمة، تقضي الصيف في أوروبا وتقتني حقائب هيرمز، وتصحو من النوم بماكياج كامل، كما يحدث في مسلسلاتنا الخليجية. ثانيا، لأنني أملك جسد امرأة وهو في حد ذاته تهمة حقيقية إزاء جديّة تجربتي. ما الذي بإمكاني فعله لأقول إنني أعرف ما يعنيه الحرمان والجوع والكبت والخوف من الغد، وإنني لم أقتن يوما حقيبة هيرمز، ولن أفعل، وإنني أقود سيارة يابانية زهيدة السعر، وإنّ قصائدي أعز عليّ من جسدي؟ ما الذي بالإمكان نفيه لدحض هذه التهمة؟ لا شيء؛ الأصوات الشعريّة النسائيّة لدينا في الخليج هي ضحيّة تعميم هائل وقولبة كبيرة. لا أقول إن لدينا الكثير، لكن هنالك شعرا حقيقيا أفرزته وتفرزه أصوات شابة من الخليج، بعضها خجول، والآخر يرفع يده وسط الجموع بثقة. السمة الحاضرة هنا هي أن هذه التجارب تعمل داخل صناديق مغلقة أو تسير وحيدة في النهر”.

:: اقرأ أيضاً

:: اختيارات المحرر