السبت 24 يونيو/حزيران 2017، العدد: 10673

السبت 24 يونيو/حزيران 2017، العدد: 10673

الإسلاميون ومعضلة الخلافة

  • تتصيّد الجماعات الإسلامية حتى الضعيف وغير الموثّق من سير الخلافة لتدلّل على مشروعها السياسي الذي يتخذ من الفقه المتشدّد برنامجا له، وإن كانت الحركات التي انخرطت في العمل السياسي تحت سقف الدولة والقانون تظهر الليونة ولا تجاهر بحقيقة موقفها ضمن خطاب يكشف ازدواجية واضحة.

العرب إدريس الكنبوري [نُشر في 2016/05/02، العدد: 10263، ص(13)]

الإسلاميون مدعوون إلى مراجعة مفهوم الخلافة

قبل أيام أثار شريط مصور للأمين العام لجماعة العدل والإحسان، محمد العبادي، جدلا واسعا بالمغرب، كونه يعيد التذكير بمشروع الجماعة حول الخلافة على منهاج النبوة؛ بيد أن العبادي اقترف خطأ جسيما حين استدل بكلام منسوب إلى الخليفة الثاني عمر بن الخطاب، يوصي فيه بقطع رأس كل من خرج عن الخلافة بعد ثلاثة أيام من تنصيب الخليفة.

مكمن الخطأ أن أمين عام الجماعة جاء بذلك الاستدلال المكتوب أمامه في ظرفيّة حرجة، تتمثل من ناحية في الجرائم البشعة التي تقوم بها “الدولة الإسلامية"، والتي يتصرّف زعيمها أبوبكر البغدادي وكأنه خليفة شرعي منصّب أو منتخب؛ وهو ما أعطى لكلام العبادي وقعا سلبيا أثار ردود أفعال قوية، ومن ناحية ثانية فإن العبادي لم يذكر المصدر الذي استقى منه الاستشهاد، ذلك أن الكلام المنسوب إلى الخليفة الثاني من الكثرة بحيث لا يمكن الوثوق به؛ والمعروف أن المسلمين كتبوا عنه الشيء الكثير، خصوصا في الأزمنة الصعبة التي يتطلعون فيها إلى مثال من التاريخ، وقد كان عمر بن الخطاب أكبر هذه النماذج، نظرا لارتباط اسمه بالعدل، ولذلك وضعوا على لسانه الكلام الكثير؛ وعلاوة على ذلك، فإن كلام عمر بن الخطاب ليس دينا واجب الاتباع، وتوظيفه في هذا السياق يخدم الفقه المتشدّد الذي بات المسلمون ينفرون منه اليوم بعد أن كان سببا في ظهورالمتطرفين في كل مكان وجد فيه ذلك الفقه المتصلب. وقد عاد العبادي لتقديم بيان يبرر فيه ما ورد على لسانه، وإن لم يكن ذلك التوضيح مقنعا ولكنه استطاع امتصاص الغضب بشكل مؤقت.

بيد أن ما حصل هو أن حزب العدالة والتنمية الذي يقود الحكومة، وحركة التوحيد والإصلاح التي تعتبر ذراعه الدعوي، انخرطا في الهجوم على جماعة العدل والإحسان ومحمد العبادي، من خلال مواقف تم التعبير عنها في مواقع التواصل الاجتماعي، وانتقدا الحديث المتكرر للجماعة عن مشروع الخلافة، في محاولة ظاهرة لرد الصاع صاعين، انتقاما لمواقف الجماعة السابقة من الحكومة التي يقودها عبدالإله بن كيران، ومحاولاتها المستمرة للتشكيك في جديتها.

غير أن الجماعة لم تلتزم الصمت، وهنا مربط الفرس. فقد أقدم أحد مسؤوليها، وهو حسن بن ناجح، على إعادة نشر صفحتين من ورقة داخلية لحركة التوحيد والإصلاح، عنوانها “الرؤية السياسية”، تتحدث فيها الحركة عن مشروع الخلافة على منهاج النبوة، وترى أنها “واجبة”، ثم تستشهد بكلام لابن تيمية، وكان ذلك بمثابة توريط آخر للحزب والحركة، ذلك لأن هذه الأخيرة تنتقد الجماعة على مشروع الخلافة في الوقت الذي تقرّر فيه وجوبها في وثائقها الداخلية.

إن معضلة الخلافة واحدة من المشكلات الكبرى التي لا تزال الحركات الإسلامية تتخبّط فيها منذ عقود، فعلى الرغم من انخراط بعضها في العمل السياسي، كما هو الحال بالنسبة إلى حركة التوحيد والإصلاح وحزب العدالة والتنمية، والتحرك في إطار الدولة الوطنية الحديثة والمؤسسات القانونية، إلاّ أنها ظلّت تتعامل مع الدولة الوطنية وكأنها تتوفر على نصف شرعية لا شرعية كاملة؛ إذ تقيم إلى جانبها شرعيّة أخرى تتطلع إلى إنجازها، هي مؤسسة الخلافة، مما يوقعها في ازدواجية صعبة، بين إيمانها الاضطراري بالدولة القائمة، وموالاتها لفكرة طوباوية هي الخلافة.

لم تقم الحركات الإسلامية حتى اليوم بنقد هذا المفهوم التاريخي وتفكيكه من الناحية الفقهية والسياسية، والبحث في ما وراءه عن القيم السياسية والاجتماعية والاقتصادية التي تجعل منه نموذجا منشودا في الوجدان العام، وتحويل تلك القيم إلى قيم وطنية تنزل مفهوم الخلافة على مفهوم الدولة الديمقراطية.

يحتاج مفهوم الخلافة، من لدن الإسلاميين في مرحلة التحولات الكبرى اليوم إلى مراجعة جذرية تعمل على سحبه من التداول بشكل تدريجي، لصالح البناء الوطني الداخلي.

ابتكرت أوروبا مفهوم الدولة الوطنية القومية في العصر الحديث لتكون ممرّا إلى التقدم والإصلاح السياسي والديمقراطية، بعد أن اكتشف الأوروبيون أن مفهوم الوحدة الدينية في إطار أوروبا المسيحية عبء ثقيل يقود إلى الصراعات الدينية، إلا أن نشأة الدولة الوطنية في العالم العربي في القرن الماضي لم تفلح في تحقيق الطموحات التي ارتبطت بنفس المفهوم في أوروبا، بسبب توزع المشروعيات المنقسمة، على حساب الوحدة الوطنية المشتركة، وهو ما يؤدي إلى حالة الفصام السياسي لدى الإسلاميين، بين التشبث بحلم الخلافة، وتضييع واقع الدولة.

:: اقرأ أيضاً

:: اختيارات المحرر