الاحد 25 يونيو/حزيران 2017، العدد: 10674

الاحد 25 يونيو/حزيران 2017، العدد: 10674

مقتدى الصدر يقرع الأجراس في بغداد

كنا في غيبوبة الحروب والحصار والأزمات، حين أفقنا من كل ذلك كان أمامنا خليج واثق من نفسه يعلن عن رؤى اقتصادية لشبابه ومستقبلهم؛ الطوفان الشيعي العربي قادم لا محالة.

العرب أسعد البصري [نُشر في 2016/05/03، العدد: 10264، ص(8)]

ظل الصينيون يعملون بهدوء والغرب يقلل من شأنهم ويضخم عبقرية اليابان، حتى رأينا الصين تسيطر على الاقتصاد العالمي؛ خمس ديون الولايات المتحدة هي للصين، نظام التعليم في الصين اليوم أقوى من الولايات المتحدة وبريطانيا، لقد اكتشفوا ذلك حين قاموا باختبار الرياضيات لعيّنة من طلاب الثانوية في البلدان الثلاثة.

في منطقتنا، الخليج، شيء مشابه؛ ظل العراقيون والسوريون يسخرون من الخليجي، يصفونه بالتخلف والبداوة، والخليجيون يعلمون ذلك جيدا. أصرّ الخليجيون على لباسهم العربي وعقالهم وتقاليدهم دون شعارات عروبة وقومية، واتجهوا إلى التعليم والاستثمار بهدوء وتواضع مثير للإعجاب، اليوم الطفل الخليجي يقرأ ويكتب باللغة العربية والإنكليزية، فنظام التعليم بريطاني متطوّر والبعثات كبيرة إلى الخارج.

الاقتصاد الخليجي مستقرّ ومستوى العيش مساو في الرفاه للإنسان الغربي. في الإمارات أذهلتني الجامعات والخدمات والمولات، الشباب الإماراتي متعلم ومؤدّب جدا، بينما أتطلع إلى هذه الفيديوهات التي ترسلها لي سيدة من العراق.

شباب بالآلاف يتغوطون في البرلمان ويبولون على صور نوري المالكي، ودائما أسمع ضجة ثمّ أتحسّس أنفي من الغبار، نحن أمام جيش من الشباب العاطلين عن العمل. قبل يومين اقتحموا المنطقة الخضراء في بغداد وحطموا قاعة البرلمان، وهاجموا مقرات حزب الدعوة في محافظات أخرى.

شباب الشيعة يعيشون ذات الغضب والكآبة التي كان يعيشها الشباب السني قبل داعش. اعتصامات ومظاهرات وحالة ضجر انتهت بظهور البغدادي والحرب. بكل تأكيد إن الإرهاب مخيف لكن الضجر مخيف أكثر، ضجر الشباب مرعب لأنهم يعيشون مشكلة لا يعترف بوجودها أحد، بينما داعش مشكلة يعترف بها العالم كله.

صار الشباب السنيّ يتطوّع في داعش أو ضدّ داعش، أو يهرب ويهاجر إلى الخارج أو يكتب مقالات ضدّ الإسلام والتطرف؛ المهمّ حدث شيء من المرح يشغلهم. الشباب الشيعي اليوم يعيشون نفس تلك اللحظة، لحظة الضجر والغضب والفراغ والبطالة. في القرن السابع عشر قال الأمير لا روشي فوكولد “إن العمل، أو حركة الجسد، تشغل الإنسان عن وجع التفكير، وهذا هو جوهر سعادة الفقراء”. العاصفة الشيعية ستنطلق بسبب البطالة والفقر.

معظم الحروب الأهلية تحدث بسبب الضجر، شباب عاطل عن العمل وحكومات فاسدة والسلاح في كل بيت، حتى لو لم يحدث شيء وعاد مقتدى الصدر إلى المنزل نتيجة ضغوط إيرانية، الشباب سيقتلهم الضجر، فالسلام أصبح أكثر كآبة من الحرب، إذ الدولة في حالة فشل شامل.

قبل يومين قرأت تقريرا مخيفا حول حالات الانتحار بين الشباب في محافظة الناصرية، العشرات من المحاولات كل شهر، وبعضها ينجح ويموت الإنسان. هناك حرب ستشتعل في البيت الشيعي لأن الأحقاد موجودة والظروف مناسبة. كيف تأتي الولايات المتحدة بقيادات من الخارج يحملون جوازات أجنبية، ليسرقوا الملايين وينقلوها إلى حساباتهم الأجنبية، بينما الشباب لا يستطيع العمل ولا اللجوء ولا الزواج، لا مشاريع ولا أمل. أعتقد بأن السيد مقتدى الصدر يستطيع بهؤلاء الشباب البدء بحرب كبيرة، لقد سمعنا هتافاتهم ضدّ إيران وسليماني والحكومة، إنها حالة تململ ورغبة في المواجهة القصوى.

الشباب الشيعي تائه، 13 سنة حكما وقادته يسرقون المال العام، لا توجد حماسة عقائدية كالسابق، تمّ استهلاك كل شيء إلى الحدود القصوى، استهلاك الطائفية والعقيدة والمشاعر، اليوم نسمع حالات انهيار اجتماعي. حتى المرجع الشيعي الشيخ اليعقوبي يقول إن قداسة العمامة الشيعية والمرجعية هي التي خدّرت الناس كل تلك السنين، وجعلتهم يقبلون بالفساد، ولم يتردّد في إطلاق مصطلح “وعاظ السلاطين” على رجال الدين الشيعة المشاركين في الفساد وشرعنة الحكم الفاسد.

مقتدى لا يستطيع السيطرة على جميع الشيعة، إنه يستطيع إشعال حرب أهلية فقط. الصدريون ظاهرة مهمة، فهم كتلة شيعية ضخمة لا تؤمن بالله ولا بالحسين ولا بالمذهب بأكثر ممّا تؤمن بمقتدى الصدر.

الحكم الشيعي العراقي هشّ وفاسد، وإذا توزع جهده بين مقتدى والبغدادي والبارزاني ستنهار الحكومة، وسيكون لزاما على السعودية والتحالف العربي الإسلامي اجتياح العراق للقضاء على الإرهاب.

السعودية تواجه أحداث الجار العراقي بحذر، فالصدر متقلب والإسلام السياسي الشيعي ماكر، وإذا تمّت تغطية الأحداث بحماسة كما فعل الكاتب مشاري الذايدي في بداية الأمر، ربما تكون العملية إعلاميا ضدّ العرب، وكأنها تظهر الحكم الطائفي العميل لإيران يعيش حياة ديمقراطية سلمية. فهم يقتحمون برلمانات ويسيّرون ثورات ويهتفون ضدّ إيران وسليماني، ثم تنتهي المشكلة وكأنها مسرحية مدبّرة.

هذه سلعة مسمومة وقد تضرّ إذا سوّقها الإعلام العربي، من الأفضل الانتظار والتعامل بحياد، حتى إذا تطوّرت بما يخفف من الحصار الإيراني على سوريا، عندها لكل حادث حديث. يحذر البعض من إدخال قنابل شيعية كهذه داخل البيت العربي، قبل التأكد من جديتها وجدواها وفائدتها.

وفي كل الظروف بعد الاحتلال الإيراني، بغداد بحاجة إلى احتلال عربي؛ حرب استرداد واسعة وشاملة، وربّما سيحدث ذلك بعد أن تُقرع الأجراس في بغداد وتنطلق الرصاصة الأولى.. نزاع بين ملوك الطوائف على الذهب، كما حدث قبل سقوط الأندلس.

الشباب العراقي اجتاح البرلمان بعد إعلان الأمير محمد بن سلمان عن رؤية المملكة 2030 بأيام، الشباب يفيق من غيبوبته ويرى أين وصل الخليج وأين وصلوا هم، ولّد هذا عندهم نقمة على حكوماتهم الفاسدة التي تنهب الثروات ولا تبالي بمستقبلهم.

مهندس نفط عراقي يقول لي “مساكين شيعة العراق، لا هُم عرب ولا هم عجم، بحاجة إلى جهة صادقة تحتضنهم. انظرْ إلى زوار العتبات المقدسة اليوم، يمشون بعوائلهم في قوافل بائسة جائعة تبحث عن بصيص أمل في روحانيات متناثرة. الفقر يزداد داخل المجتمع؛ سائق التاكسي يبكي لأن أمه مصابة بالسرطان، وساكن تجاوز ولم يعد يحتمل الضغط، رجل قُتل ولده في الحرب وترك له ثلاث بنات ولديه أربع أخريات، يضع مستمسكاته في كيس أسود ويبحث عن تعيين لابنته، جلس يبكي بباب المدرسة. الوضع مأساة بكل معنى الكلمة لا يوجد ما يفرح، لا يوجد طعم للحياة”.

شباب ضائع في العراق، سواء السنة أو الشيعة، لا مستقبل لهم ولا دولة ولا مشاريع ولا تنمية، ماذا نتوقع؟ الطائفية لم تعد حلا لاحتواء الشيعة. إنهم في حالة اختناق. القضية ليست متعلقة بالصدر فقط، لقد ملّوا التحليلات السياسية والكلام الكثير. الناس يريدون إحراق الجثث وسحلها وإضرام النار في المباني، لقد تحوّلت حياتهم إلى جحيم.

مَن يستطيع أن يخبر شابا عراقيا “أنت لم تتعلم كما ينبغي، ولا تتقن لغة أخرى. كل أفكارك وقناعاتك هي مجرد أوهام، لا أصل عقليا لها. أنت من دولة فاشلة وجوازك غير معترف به. لا مستقبل لك، قد تجد عملا سخيفا وقد لا تجد. تتزوج من ابنة عمك، وتنجب أطفالا سائبين في الشوارع وغير متعلمين مثلك. تعيش فقيرا وتموت فقيرا هذا هو قدرك. لأن الدولة غير موجودة بمؤسساتها التعليمية والصحية والاجتماعية للارتقاء بك وحماية أسرتك”. هل تستطيع أن تخبر الشباب بهذا؟ هؤلاء الشباب سيحرقون العاصمة، ويسحلون جثث المسؤولين في الدولة ويتحولون إلى وحوش مسعورة تخشاهم داعش نفسها.

يقول لي أحد هؤلاء الشباب بأنه كان على خطأ لتلك النظرة الاستعلائية الفارغة على أشقائنا في الخليج، فقد كنا في غيبوبة الحروب والحصار والأزمات، حين أفقنا من كل ذلك كان أمامنا خليج واثق من نفسه، يعلن عن رؤى اقتصادية لشبابه ومستقبلهم؛ الطوفان الشيعي العربي قادم لا محالة.

كاتب عراقي

أسعد البصري

:: مقالات أخرى لـ أسعد البصري

أسعد البصري

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر