الجمعة 28 ابريل/نيسان 2017، العدد: 10616

الجمعة 28 ابريل/نيسان 2017، العدد: 10616

كيف تصبح مليونيرا في بضعة عقود

هناك من يسعى إلى الملايين بصبر ويمضي إليها بالسعي الوئيد. أعرف من هؤلاء صديقا، رحل الآن، ولم يبلغ مقصده، وضع خطة طويلة الأمد للحصول على بضعة ملايين.

العرب حسين صالح [نُشر في 2016/05/03، العدد: 10264، ص(24)]

لو كان عنوان العمود هذا عنوانا لكتاب لما اشتراه أحد. ظهرت كتب كثيرة تعلم القارئ كيف يصيح مليونيرا. ما كانت مبيعاتها كثيرة، فالقراء كانوا يسألون: لو كان الكاتب يعرف كيف يصبح ثريا لما كتب كتبا ولأصبح مليونيرا مستغنيا عن نشر الكتب. هذا صحيح. لكن الملاحظ أيضا أن الكتب هذه تعد بثراء سريع. السرعة أهم من المبلغ. لو نشرت كتابا يعد بألف دولار في أسبوع لكان الإقبال عليه أكثر من الإقبال على طريقة تعد بمليون دولار في عقود.

وكذلك الحال بالنسبة إلى كل شيء. الناس مستعجلة تريد أن تنحف في غضون أيام. كل دعايات طرق التنحيف تركز على الزمن القصير أكثر من التركيز على الوزن. وأذكر أن كتبا راجت ولعلها ما زالت رائجة تعلم لغات أجنبية في أيام. وكم راودتني فكرة نشر كتاب يعد بتعليم “السلام عليكم” و”مع السلامة” بالفارسية في عشر ثوان و”شكرا” بالتركية في خمس ثوان. ستلقى رواجا لأن المهم قصر الوقت وليس ما ستتعلمه.

هذا الاستعجال الشديد هو المــلمـح الثابت في سلوكنا. سافرت بالقطار بين مدن عربية كثيرة، فأنا أحب المدن العربية وأحب القطار أيضا. الملفت للنظر هو تدافع المسافرين لمغادرة القطار في نوبة عجلة تكاد تفتك بالمسافرين. الكل يحتشد ويتدافع بعزم وتصميم ليكسب خمس ثوان في عملية النزول، رغم أن حياته كلها تمضي برتابة واليوم الكامل من حياته وبكل ساعاته لا يعني شيئا كثيرا.

لكن هناك من يسعى إلى الملايين بصبر ويمضي إليها بالسعي الوئيد. أعرف من هؤلاء صديقا، رحل الآن، ولم يبلغ مقصده، وضع خطة طويلة الأمد للحصول على بضعة ملايين. كان هذا الصديق لا يطيق مشاهدة لعبة السنوكر: اللعبة التي هي ضرب من البليارد. وكان يقول في كل المحافل وعلى رؤوس الأشهاد: “لو أعطوني عشرة ملايين دولار على أن أتفرج على السنوكر ساعة واحدة لما فعلت”. لكنه أسر لي أنه كاذب وأنه رغم كرهه للعبة يستطيع حقا أن يتفرج عليها، وأن إشاعة هذا الكلام سيغنيه يوما.

الخطة تعتمد أولا على إشاعة رفض العشرة ملايين لقاء ساعة من التفرج على السنوكر. الهدف، حسب الخطة، أن هناك في مكان ما وفي وقت ما شخصا غنيا سيصدقه وسيمتحنه. وسيعرض هذا الغني عشرة ملايين وعند ذاك سيكشف صديقي عن وجهه ويخلع القناع وسيجلس متفرجا على اللعبة ويقبض العشرة ملايين. شرح الصديق خطته مبتسما بمكر قائلا “وهكذا ترى أني مشروع مليونير ولكن لا تخبر أحدا فالخطة تعتمد تماما على الكتمان”.

كتمت الأمر وأنا أبوح بالسر لأول مرة لأن صديقي العزيز ذاك توفي منذ أعوام. وقد صبر وأنفق عقدين في تنفيذ خطته لكن الجزء الأهم من المؤامرة لم يتحقق: لم يظهر الشخص الغني الذي سيمتحن كراهيته للسنوكر. مات صديقي شبه معدم لكنه عاش مشروع مليونير.

حسين صالح

:: مقالات أخرى لـ حسين صالح

حسين صالح

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر