السبت 25 مارس/اذار 2017، العدد: 10582

السبت 25 مارس/اذار 2017، العدد: 10582

محافظة الأدب

في تلقي الأدب ثمة رغبة في الانتماء إلى المجد الآفل، وتشبث بأصولية اللغة والبلاغة والعروض، وعندما يتعلق الأمر بنخبة غير مختصة، فإن عاطفتها تجاه الأدب تتماهى.

العرب شرف الدين ماجدولين [نُشر في 2016/05/04، العدد: 10265، ص(15)]

لا أدري حقيقة لماذا، لكن يبدو لي أن قارئ الأدب محافظ بطبعه، يستكين للقواعد والأسماء الراسخة والمتحققة، يخشى المغامرة، في الاختيار وفي التطبّع، ومن ثم فإن ناقد الرواية والشعر والقصة يتشرب نسبة ما من نزعة المحافظة المرزئة، تلك الطاردة للطارئين والمريدين الجدد، فحين يقرأ رواية القرن التاسع عشر يستكين لها، لا تشبعه تنويعات القرن العشرين، كما أن قارئ شعر المتنبي والبحتري وأبي تمام قد يقبل نصوص أحمد شوقي وحافظ إبراهيم و الجواهري، وأحيانا شعر نزار قباني وبدر شاكر السياب، بيد أنه يظل متشبثا برفض ما بعد أول ارتباك تفعيلي.

في تلقي الأدب ثمة رغبة في الانتماء إلى المجد الآفل، وتشبث بأصولية اللغة والبلاغة والعروض، وعندما يتعلق الأمر بنخبة غير مختصة، هاوية بمعنى ما، فإن عاطفتها تجاه الأدب تتماهى مع رصيد الإبهار الماثل ككنز قديم، والذي لا يقتضي اختراعا ما، لهذا يبدو طبيعيا حين يتمحل مهندس للمعلوميات أو المعمار أو الميكانيك رواية أو قصيدة او حتى مسرحية ما، ألا تكون له أي رغبة في نقاش الحساسيات الجمالية الجديدة، يضحى الانتماء الأدبي بالنسبة إليه مرادفا لرفض التقنية والحداثة والزمن المعاصر جملة، مثلما يغدو التدين المفرط عتبة للتخلص من قسوة الضرورة، حيث العقيدة ملاذ ونشوة وروح مخلّصة تستبدل بموات المحيط الفظ، سعة العالم الآخر. شيء شبيه بشهوة هؤلاء الهواة في العودة إلى زمن السلف الصالح ذاك الذي تتساكن فيه التقنية الخرساء مع جرائم السبي وقطع الأطراف والرؤوس واستعباد الذميين، لذا ليس غريبا أن تكون القاعدة الصلبة لجماعة الإخوان المسلمين ومشتقاتها من الخليج إلى المحيط، من هؤلاء الهواة ممن كان الأدب واللغة والبلاغة والعروض وسيلتهم لفهم العالم.

هكذا يتمثل مجتمع متلقي الأدب المكتوب بما هو مناقض لمجتمع الفوتوغرافيا والتشكيل والسينما وفنون الفرجة البصرية المختلفة، الذي يبدو تجريبيا بطبيعته ويبحث باستمرار عن الأسماء والتعابير الجديدة، والاختراقات غير المتوقعة، تلك القادمة من تقاليد الوثنية المعتقدة في وساطة المنحوتة واللوحة مع الخالق، لهذا لا نكاد نعثر على التباسات عقدية أو طائفية كبيرة في حقل الجماليات والفنون البصرية، ثمة تحريم جامع مانع يمنع السلفيين من ابتداع القلاقل التي لا مبرر لها في حقل يسمى بالفن المعاصر، بل تكاد تشكل سمة فريدة في الجامعات العربية تلك التي تجعل كليات الفنون الجميلة تخلو من خلايا الإسلام السياسي، سواء في صفوف الطلاب أو في هيئة التدريس، بعد أن احتلت الجماعات إياها كل الاختصاصات العلمية والأدبية والقانونية، الضامنة لتخلف البلدان العربية. لهذا كنت سعيدا على الدوام وأنا أستقبل أفواج طلابي الجدد كل سنة، ممن كانت سجاياهم الأولى في عدم النظر إلى الوراء.

كاتب من المغرب

شرف الدين ماجدولين

:: مقالات أخرى لـ شرف الدين ماجدولين

شرف الدين ماجدولين

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر