الخميس 19 يناير/كانون الثاني 2017، العدد: 10517

الخميس 19 يناير/كانون الثاني 2017، العدد: 10517

حين اكتمل القمر بدرا

أرقبُ الشمس التي يملؤني دفؤها مثل وطن وهي تمضي إليك حافية الشعاع.. أستودعكَ فرحي وروحي وأنا أهم بأن أنسُـل جسدي عنك وأسير مثل الشمس حافية صوب الشاطئ.

العرب ريم قيس كبّة [نُشر في 2016/05/04، العدد: 10265، ص(21)]

أتمدد.. يرفعني الموج بحنوّ عاشق طال اشتياقه لمعشوقة غابت عنه برزخا من يأس.. تتفتح مسامي وتتذوّق قبلات مائه وهي تغطي جسدي.. أهيم نشوة واسترخاء.. اُسلمُ روحي لخدرها وتصديق حلمها الذي غدا حاضرا بعد انتظار..

الله يا بحريَ الحبيب!.. ها أنني بين أحضانك مرة اُخرى!.. ها أنني أستعيدني بين ذراعيكَ وأغفو على هدير موجك الحنون!.. وإذ اُفيق من غفوة متأرجحة غير مكتملة وأفتح عينيّ.. أجد قرصَ الشمس وهو يتهادى إذ يهمّ بالهبوط على سطحك مرتديا حُمرتهُ ومتأهّبا لإطفاء جذوته في برودة مائك..

ثلاث دقائق أخيرات أرقبُ فيها الشمس التي يملؤني دفؤها مثل وطن وهي تمضي إليك حافية الشعاع.. أستودعكَ فرحي وروحي وأنا أهم بأن أنسُـل جسدي عنك وأسير مثل الشمس حافية صوب الشاطئ.. يحتضن طينكَ أصابعَ قدميّ ويداعبها بمشاكسة منعشة..

أتوزّرُ زرقتك المشوبة باحمرار شمسك.. لأخطو على الرملِ صوب صخرة قريبة أفترشها وأستريح متأملة.. تداعب نسائمك جسدي وخصلات شعري المبلل وهو ينقّـط دهشته على كتفيّ وذراعيّ.. ويأتيني صوت دافءٌ من بعيد “لا تغمضي عينيك حتى يُنهي قرص الشمس مغيبَهُ ويسلم مفاتيح اليوم لبدر تلك الليلة المذهلة”…

أتأمل إله الشمس “شمش” وهو يمنح دقائقه الأخيرة لوالده إله القمر “سين”.. سيد الحكمةِ.. أو “ننار” المنير.. أتأمله وهو يمسّد لحيته البيضاء ويتمرّى بصفحة مائك.. لحيتك الفضية تحاكيه فتلتمع على سطحك.. وتتسع ابتسامة عينيّ غبطة لهذا الاكتشاف..

أهجس عينيك وهما تتفرسان بي من خلف زجاج نظارتيك.. وتحدثني كمن يشير بإصبعه إلى دقائق مسترخيات مسروقة من زمن مضطرد ثقيل.. وأسمعك تكرر بإصرار “لا تغمضي عينيك….”

لا اُغمضهما.. بل أشرب بهما غياب الشمس وبزوغ القمر وهو يدلف مدينة السماء بكامل خيلائه وسطوة ضيائه.. أتنفسك.. واُصيخ سمعي لدفء نبراتك ترشدني إلى طقوس الحلم وتملي عليّ تعليماتها الموشاةٍ بلون الأسطورة “دعي مركز القمر يتوحد بمركز جسدك.. فجذوة روحك تكمن هناك.. افتحي ذراعيك على وسعهما وحاولي أن ترسمي قرص القمر حول جذعك من كل اتجاه.. سيغمر السطوع شرايينك ويسري الضياء في عروقك ويسيل شلالا يغمر أعضاءك.. تنفّسي بعمق وأنت تشهدين البدر يتهادى في شارع الموكب تتبعه النجوم شموعا ونذور عافية.. دعي نفسك تتوحد بالقمر فتكتمل المحبة ويغمر الأمل قلبك.. وليكن ننار هو الدليل”…

أستجيب صاغرة.. وأنفذ كل حرف.. أنام مفتحة العينين وأحلم وأنا يقظة.. أتمشى متأرجحة على الخيط الفاصل بين الصحو والحلم.. وأتشرب صوتك سيمفونية حياة.. الله يا صوتك كم طال انتظاري إليه!..

لم تكن صدفة أن تحضنني بعد غياب في ذلك اليوم تحديدا وتحت سمع وبصر القمر وقد اكتمل بدرا.. ولم تكن مفاجأة أن أجد الطقوس وهي تنتظر قدومي على شاطئك الحبيب.. فنحن نصنع أقدارنا.. وإذ طال شوقي وأوغلت في مخيلتي أمنيتي بلقائك.. لم يعد ثمة بدّ من أن يحين الموعد أخيرا.. فتحق صلاة وجدنا باكتمال لن يشبه إلا اكتمال القمر..

ريم قيس كبّة

:: مقالات أخرى لـ ريم قيس كبّة

ريم قيس كبّة

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر