الخميس 22 يونيو/حزيران 2017، العدد: 10671

الخميس 22 يونيو/حزيران 2017، العدد: 10671

دار الإسلام والحداثة السياسية والإنسانية المنقوصة

في عالم افتراضي، بالفضاءات والجغرافيا المفتوحة، ستزول مفاهيم أهل الذمة ودار الحرب ودار الإسلام. أما الحداثة الإنسانية فلها عقل يصونها، يمضي بها إلى أبعد من خيال رجال الدين، هذا إذا منحهم الله بعض الخيال.

العرب سعد القرش [نُشر في 2016/05/04، العدد: 10265، ص(9)]

في رمضان 1404 (يونيو 1984) منحت مجلة “الأمة” الإسلامية الشهرية قراءها كتيّبا هدية. كانت المجلة تصدر عن رئاسة المحاكم الشرعية والشؤون الدينية في قطر وتباع في مصر بثمن رمزي، (150 مليما أي 15 قرشا)، وارتفع الثمن في صيف العام 1983 إلى عشرين قرشا، يضاف إليها مبلغ رمزي آخر نعطيه لبائع الصحف في المدينة، لنضمن حجز نسخة. فالمجلة التي تبلغ مئة صفحة مطبوعة على ورق قشيب ملون، تلبي طموح جيل من الصبية إلى إقامة “الدولة الإسلامية”، بعد أن تفتّح وعي ذلك الجيل على ما سمّاه يوسف القرضاوي “الصحوة الإسلامية”، عقب اغتيال أنور السادات.

حلم جيل “الصحوة الإسلامية” بقرب قطف ثمرة كانت على وشك السقوط في حجر جيل أكبر لولا أن الدائرة لم تكتمل، ونقصت ثغرة جعلت الدائرة مجرد قوس، ولكنه يسمح بتسرب الحلم بتأسيس “دار الإسلام”، وظل الوعد مراوغا، فبحثنا عن يقين لدى اليسار واليمين الديني على السواء، ولو في قصيدة “خالد الإسلامبولي” التي كتبها أحمد فؤاد نجم، وبدأها بموال يعيد إلى ذاكرة القارئ طرفا من سيرة البطل الشعبي المصري أدهم الشرقاوي، أو إهداء كتاب “لماذا قتلوا السادات؟ قصة تنظيم الجهاد”؛ إذ بدأه مؤلفه رفعت سيد أحمد، بعد البسملة، بهذا الإهداء:

“إلى من أعتقد أنهما طريق واحد.

إلى اللذين أتيا من صعيد مصر ليغيرا جغرافية وتاريخ هذا الوطن.

إلى جمال عبدالناصر وخالد الإسلامبولي”.

حمل الكتيب، هدية “الأمة” في رمضان، عنوان “فقه الدعوة الإسلامية ومشكلة الدعاة.. في حوار مع الشيخ محمد الغزالي”، وهو نص حوار نشرته المجلة على حلقتين في جمادى الآخرة ورجب 1404 (مارس وأبريل 1984)، بالعنوان نفسه على الغلاف مصحوبا بلوحة لوجه الشيخ، وفي داخل العدد صورة للغزالي مع مدير التحرير، عمر عبيد حسنه، أثناء إجراء الحوار الذي يتسق مع التوجه العام للمجلة الإخوانية، النسخة القطرية من مجلة “الدعوة” آخر المجلات الصريحة الناطقة باسم جماعة الإخوان المسلمين في عصر السادات.

هناك، في ذلك الوقت المبكر، وجد صقور الإخوان، الموتى والأحياء، متسعا في أرض النفط والغاز، وبأموال لم تأخذ طريقها لتصبح ضمن زكاة الركاز تسرب إلينا الفكر العنصري، عبر “الأمة” التي ينتظرها نحو نصف مليون قارئ شهريا، ويطالع فيها تعاليم القرضاوي وصالح عشماوي، ويُحتفى فيها بسيد قطب؛ ففي عدد واحد (مارس 1404)، أكثر من صورة له.. مع مقال عنوانه “طبيعة الالتزام في الأدب الإسلامي” يقول فيه مصطفى عليان “أما أن نفهم حرية الأدب على أنها تمجيد للإلحاد، وتغن بالزندقة، أو أنها إطلاق لرغائب الفرد دون قيد غير إرادته، ورفض لأي قيد مهما كانت قيمته وسلطانه دينا أو تقاليد موروثة نافعة، أو أنها إطلاق للغرائز المكبوتة وإعتاقها من عقالها متحللة من أي قيد إلا نداء الجنس بتشجيع الرذيلة وطمس الفضيلة وإشاعة الفتنة، أو تفهم على أنها حماسة الإفساد بين الناس وإثارة الحقد بينهم بدعوى المساواة الهزيلة. فإن هذا الفهم المتخلف لحرية الأديب يفرز مجتمعا بشرائح إنسانية ملونة.. والأديب بهذا الفهم أداة هدم للمجتمع وآلة تشويه للحياة”.

أما المقال الافتتاحي فعنوانه “حوار الفكر الإسلامي.. مراجعة وتقويم” فهو مصحوب بصور إحداها لسيد قطب “رائد المواجهة الإسلامية للفلسفات المعاصرة”، ويخيل للقارئ أن كاتب المقال محسن عبدالحميد يوشك أن يعلن الحرب على العالم، بعد ضمان التعبئة النفسية “إن معركة الإسلام مع أعدائه في هذا العصر تحتاج إلى حضور دائم في الساحة، وهذا الحضور.. إنما هو فرض عين على كل مسلم يؤمن بالله واليوم الآخر.. فرض عين، لأن المعركة المخططة الشاملة التي يخوضها أعداؤنا في الداخل والخارج ضد الإسلام وأهله، لا يكفي في مواجهتها جهد بعض المسلمين”.

خطاب صارم يمنح الجيل الحالم باقتراب تحقق “دولة الإسلام” زهوا بالعزلة المؤقتة عن العالم، تمهيدا لانطلاقه إلى بلاد الأشرار التي لا يصح أن يوجد فيها المسلم إلا مسلحا وجنديا في المواجهة “إن عصرنا.. إنما هو عصر الصراع وعصر إنقاذ الإيمان”.

أتأمل هذا الخطاب، فلا أندهش من تغلغل الهوى الإخواني، وكيف امتدت جذوره واستقرت وتمكنت وتحكمت، ثم أثمر قناة الجزيرة ونجومها القدامي الجدد. لا مجال في هذا الخطاب القديم المستعاد لأي أفكار تخص الحداثة السياسية أو الإنسانية، لا اقتراب من حقوق “إنسانية” لأقليات دينية أو عرقية، إلا باعتبار ذلك منحة ودليلا على التسامح “الإسلامي”، ومن يتسامح يملك العدول عن تسامحه، وإذا عدل فعدله منقوص، ولا علاقة له بمساواة إنسانية بلغها الغرب بعد حروب دينية وقومية انتهت بالاعتذار عن الجرائم والاعتراف بإنسانية الإنسان، وتجريم تفتيش قلبه، وسؤاله عن عقيدته أو استتابته، “فمن شاء فليؤمن”، ويكون في الكلام عن “إنقاذ الإيمان” الكثير من العبث والاستغفال.

كان الغزالي رمزا لما يسمونه الاعتدال الإسلامي، ولم تتعرض أعماله على خطورتها للمراجعة، والنقد العلمي في ضوء غايات الإسلام، أقصد الخطاب القرآني لا تأويلاته المرتبطة بسياقات سياسية تاريخية. أعيد قراءة الكتيب الهديّة فلا أجد في كلام الغزالي ملمحا إنسانيا يصالح قارئه على العصر. لا يتكلم الرجل إلا عن مجتمع نقي مغلق على ذاته، “فإذا اختار جمع من المسلمين رئيسا لهم، فهو رئيس لهم، يكون إماما لهم كإمام الصلاة”، وتأتي أغلب قراءته لحاضر المسلمين عبر مرآة قديمة، لا تلتقط مصطلحا اسمه “الدولة” المدنية التي يتساوى فيها المواطنون، وفي غيابها تكون التفرقة سلوكا طبيعيا لا يثير الغرابة “هب أن رجلا مسلما قتل ذميّا، فإن المالكية أو الشافعية يقولون: لا يقتل فيه، فعصموا دمه”. وإذا كان الغزالي قد انطلق في رؤاه من فقه قديم، بشري بالضرورة وليس حجة على الدين، فإن الكثير من الإخوان والسلفيين حين يقدمون أنفسهم باعتبارهم عصريين، يحتجّون بالغزالي ويستشهدون بكتاباته، ويطلقون عليه لقب إمام الوسطية.

وفي عالم افتراضي، بالفضاءات والجغرافيا المفتوحة، ستزول مفاهيم أهل الذمة ودار الحرب ودار الإسلام. أما الحداثة الإنسانية فلها عقل يصونها، يمضي بها إلى أبعد من خيال رجال الدين، هذا إذا منحهم الله بعض الخيال. استفتى الخديوي إسماعيل رجال الدين في منع تجارة الرقيق فاعترضوا، وجادلوا بأن في المنع مخالفة لصريح القرآن. طوى الرجل رفضهم طيّ السجل، وعزل المفتي، وهدد بإلغاء هيئة عموم العلماء إذا واصلوا رفضهم لإلغاء الرق، ووقّع مع بريطانيا عام 1877 معاهدة تنهي تجارة الرقيق. وفي عصر الردة الإنسانية الداعشية أقيمت أسواق للرقيق.

روائي مصري

سعد القرش

:: مقالات أخرى لـ سعد القرش

سعد القرش

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر