الجمعة 24 مارس/اذار 2017، العدد: 10581

الجمعة 24 مارس/اذار 2017، العدد: 10581

حرفة تتطور

التسول حرفة قائمة الذات، البعض لايزال يتعامل معها في إطارها التقليدي، والبعض الآخر طورها مستغلا الإنترنت ومواقع التواصل الاجتماعي.

العرب الحبيب الأسود [نُشر في 2016/05/04، العدد: 10265، ص(24)]

منذ أكثر من عشرين عاما، وهي في ذات المكان، أمام ذات الفضاء التجاري، ترسل الدعوات الصالحات في كل الاتجاهات، وتنادي المتسوقين والعابرين ليشتروا لها علبة حليب، فإذا اشتروا لها الحليب، جمعته وباعته إلى حانوت البقالة المجاور بنصف ثمنه.

أمام الصيدلية المجاورة تقف سيدة منذ أعوام تستجدي من أصحاب الخير ثمن دواء موجود اسمه لديها في وصفة طبية يعود تاريخها إلى القرن العشرين، فإذا ذهب الجافل وجاء الغافل واشترى لها الدواء المطلوب، أعادت العلبة إلى الصيدلانـي بثمن أقـل من ثمنها الحقيقي.

أمام المـخبـزة القـريبة، تقف سيدة منذ سنوات، وفي حضنها ولد، كان ولدها منذ مدة طويلة، قبـل أن يصـبح حفيـدها، أو ولد جارتها، أو طفلا تم تأجيره، وهي تستجدي ثمـن رغيف، وتستـمر في ذلك حتى وإن حصلت على ثـمـن ألـف رغيف.

من الناحية الأخرى، يعترضك أحدهم وهو على كرسي متحرك، ينتقل بخفة بين السيارات المتوقفة أمام الإشارات الضوئية، يطلب المساعدة فيحصل عليها، وعندما يحل المساء، يستوقف سيارة تاكسي، يقف من على الكرسي ويطويه، ثم يقفز داخل السيارة، ليعود إلى بيته فرحا مسرورا.

أمام المصحات، تصلك أصوات المتسولين وهي تدعو للمرضى بالشفاء، وأمام المحاكم تدعو للمتقاضين بالنصر على الظالم وعودة الحق إلى أصحابه، وأمام محطات النقل تدعو للمسافر بالوصول سالما، وأمام المساجد تدعو للمصلين بالجنة وحسن الخاتمة، وأمام الأسـواق تدعو بمزيد الرخاء والشوبينـغ.

عند المساء في مكان ما، تجتمع العشرات من النساء ومعهن العشرات من الرجال للحديث عن يوم شاق من العمل، بعد أن كانوا توزعوا نهارا على مواقعهم المعهودة، من هناك شاب مفتول العضلات يقود والدته العجوز بعد أن أنهت العمل أمام فضاء تجاري، وهو يسألها عن حصيلة يومها.

على الرصيف المقابل يدفـع رجل سليم بعربة والده المسن المعوق لـيعود به إلى المنزل بعد أن يستلم منه دخـله اليومي.

وفي منزل منزو تجلس الأسرة بكاملها: الأب والأم والأولاد لإجراء جردهم المعتاد حول محصولهم من التسول.

التسول حرفة قائمة الذات، البعض لايزال يتعامل معها في إطارها التقليدي، والبعض الآخر طورها مستغلا الإنترنت ومواقع التواصل الاجتماعي، وهناك من ألبسها رداء الدين، أو غطاها بالتضامن الاجتماعي، أو سترها بنقاب لتطرق أبواب الشقق في البنايات الشقيقة، أو ربما غلّفها بمغلّف سياسي لتتحول قضايا بعض الشعوب أو الجماعات أو الأحزاب إلى أدوات تسوّل لفائدة أشخاص ممن يعرفون من أن تُستغل النوايا الحسنة والسيئة على السواء.

الحبيب الأسود

:: مقالات أخرى لـ الحبيب الأسود

الحبيب الأسود

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر