الخميس 27 يوليو/تموز 2017، العدد: 10704

الخميس 27 يوليو/تموز 2017، العدد: 10704

سعد يكن يرسم حلب ما بين الخيال والواقع

  • استضافت مؤخرا صالة “تجليات” البيروتية معرضا للفنان التشكيلي السوري سعد يكن، ضمّ مختارات من أعمال سبق للفنان أن عرضها، إلى جانب لوحات جديدة لم تعرض في بيروت من قبل، وهي عبارة عن رسومات جميلة رسمها الفنان على صحون سيراميكيّة مُعلقة على جدران الصالة.

العرب ميموزا العراوي [نُشر في 2016/05/06، العدد: 10267، ص(17)]

شخوص تتلوى وتتقشر في فضاء اللوحات

بيروت- إن جال زائر معرض الفنان التشكيلي السوري سعد يكن الذي أقيم مؤخرا في صالة “تجليات” البيروتية بين اللوحات بحثا عن أثر ما لما يحدث في سوريا في لوحات الفنان، وهو المعروف عنه افتتانه بتراث وطنه سوريا ومدينته حلب، فلن يعثر إلاّ على انشغال الفنان بتصويره الخاص جدا لمشاعر إنسانية مختلفة من غيرة ووحدة، واهتمام بسماع الموسيقى حتى الانغماس وغيرها من المواضيع التي اعتاد الزائر أن يراها في معارضه السابقة.

وسيجد الزائر أيضا مختارات من مجموعات فنية رائعة باتت أكثر ما يعبر عن مزاج سعد يكن وأسلوبه الفني الذي نضج فيه مزيج خلاق لعدد من التيارات الفنية المعروفة من تعبيرية، وواقعية، وسحرية، وغنائية ومستقبلية.

سيلتقي الزائر مجددا مع قائد الأوركسترا الخاص به الذي تحول جسده إلى لحن “بصري” يشي بنوتات الموسيقى المصورة التي ينخطف تحت أثرها المستمعون أو الحاضرون إلى عوالمهم الداخلية، كما سيعثر زائر المعرض على لوحتين تمثلان أجواء ألف ليلة وليلة أجمل تمثيل.

تعبيرية مستقبلية

ليس وصف لوحة الفنان سعد يكن بـ”التعبيرية المستقبلية ”قادم من الأسلوب الذي يعتمده الفنان في تظهير الحركة الخارجية والداخلية في شخوصه المرسومة، والتي لا “تستقر على برّ”، حتى وهي جالسة، ومتقوقعة على كراسي المقاهي، من خلال سلسلة من الخطوط والألوان التي تتداخل ويشف بعضها على بعض، بل تبدو النزعة “المستقبلية” حاضرة عبر المواضيع التي عكف على تناولها الفنان لفترة لا تقل عن ثلاثين عاما.

يعتبر الفنان أن الإنسان لم يتغير منذ الأزل، فالغيرة والحب والحقد والإحساس بالفقدان… كلها مشاعر لم تغادره وهو في عزّ عيشه في العالم المعاصر، لذلك لا يمكن اعتبار ما يقدمه الفنان الآن وحتى في السابق قادما من ماض عفا عليه الزمان ومضى.

ليس هذا فحسب، فإن خط الدراما البشرية الذي سار عليه الفنان منذ ما يقارب الثلاثين عاما ورسم من وحيه شخوصه التي تتلوى وتتقشر في فضاء لوحاته، ضاربة عرض الحائط بكافة قوانين الهندسة الواقعية، هو صدى حارق لما يجري الآن على أرض سوريا، وعلى أرض حلب، مدينة الفنان. فالموت والخيبة والعزلة والإحساس بالتخلي، حاضرة في لوحاته التي أبدعها سابقا، وكأنه استشعر ما سيحدث لاحقا.

الأحمر والأسود والأبيض، ألوان تنطق بالحاضر الصاعق وبوضوح لاذع يؤثر في نفس الناظر إليها

الألوان التي نسج معها الفنان عبر السنين علاقة حميمية، وهي الأحمر والأسود والأبيض، لم تكن في قوتها على القدر الذي هي عليه الآن، ألوان تنطق بالحاضر الصاعق وبوضوح لاذع يؤثر في نفس الناظر إليها.

اليوم، أكثر من قبل، يمكن رؤية معظم، وربما كل اللوحات التي رسمها الفنان سعد يكن وكأنها رُسمت ساعة الصفر، الثانية عشرة ليلا، لا نقصد فقط اللوحات التي رسمها لجلسات الطرب وللمقاهي الحلبية أثناء الليل كفترة زمنية عادية، بل أيضا تلك التي جاءت في معارض حملت عنوانين “جلجامش” و”الطوفان والنساء”، و”موسيقى”، وصولا إلى معرضه “الآخر”، حيث غرزت الحرب مساميرها في كراسي رواد المقاهي الحلبية العريقة، وتشقلبت الحياة فيها رأسا على عقب.

نعم، دخلت الحرب إلى لوحاته، ولكن من خلال بوابته الفنية الخاصة: اللامباشرة، نعم، الليل في اللوحات، ولكن كحالة، وكرحم لا يدري أحد منا ماذا يتحرك في داخله، حتى وإن خُيل إليه أنه يدري؟

اشتهر الفنان برسم خطوط فاصلة في لوحاته، خطوط وكأنها التماس الحاسم ما بين الخيال والواقع، خاصة في اللوحات التي يغلب عليها اللون الأسود والأبيض.

ها هو الآن المشهد ذاته يرتجّ في لوحات الفنان سعد يكن، تقوم الفوضى وتختلط الخيالات الكابوسية مع الواقع الجديد، حيث الليل الحلبي لم يعد للسهر والموسيقى الطربية.

تحلل الخيط الخفي الذي باعد ما بين الخيال والواقع، وما بين الماضي والحاضر، فتدفقت الصور الذهنية و”التذكارية” لمدينة فائضة الكرم، لتظهر اليوم في لوحات الفنان كما في الواقع الفجّ، وهي ترزح تحت ثقل كوابيس حسّية كانت لا تزال ما قبل أيام معدودة، كوابيس مخدّرة ومؤجلة.

ها قد ولدت سهولة الدخول إلى عالم الفنان سعد يكن من خلال ما يحدث الآن في حلب، فهو لم يتراجع يوما عن اعتباره أن قيمة اللوحة الفنية ليس في كونها مشهدا بصريا عابرا، بل طاقة تعيد تشكيل نظرتنا إلى الحياة، أو تفتح بصرنا على واقع نعيشه دون أن نفقه خطورته، أو نحاول تغييره، لذا وجب على الفنان أن يخترع صيغة وقوانين جديدة، غير تلك التي تتبناها الفوتوغرافيا.

كلمات الفنان تلك هي بمثابة توضيح لما قاله يوما ما “أعترف بأن اللوحة دائما هي أقل من تصوري للعمل الفني الذي أبحث عنه، ولذلك أرسم موضوعا معينا قرابة مئة مرة”، ربما في محاولة مستميتة منه للقبض على معنى شعر بأنه لم يتوقف عن “الإفلات” منه.

اليوم، أكثر من قبل، يمكن رؤية معظم، وربما كل اللوحات التي رسمها الفنان سعد يكن وكأنها رُسمت ساعة الصفر، الثانية عشرة ليلا

جلجامش حلب

سعد يكن من الفنانين الذين اعتبروا أن الصورة الفوتوغرافية التي توثق الحروب ومآسي الإنسانية أكثر بلاغة من أية لوحة تشكيلية، ذكر مؤخرا أن “هول ما رأيت وما شهدت لجمني.. لم أرسم الحرب في حلب بعد”.

يبدو أن الفنان اجتاز هذه الفكرة نهائيا، فقد شاهدنا على صفحته الفيسبوكية أربع لوحات عن حلب الآن، من أروع ما أبدع، نشرها الفنان بعد هذه الكلمة المُرتجلة “وبعدين؟”.

إذا كان لا بد من وصفها، فهي أشبه بملاحم جلجامشية/حلبية معاصرة، تخلّعت أبواب المقاهي وخرج الناس العاديون منها، وعن طورهم المعهود في لوحاته السابقة.

الخراب الخارجي تماهى مع الداخلي، أو هو غيّر ملامحه تماما، إنه الألم والأمل في آن، ولكن على طريقته الخاصة وبالأحمر والأبيض والأسود.

لعل أبلغ ما يختصر الحاضر القريب هو ما قاله الفنان في هذه الكلمات “نُهب مرسمي، وهو كان أيضا البيت الذي حلمت طوال سنوات بأن أشيده للعيش في ريف حلب، تمكنت من ذلك قبل اشتعال الحرب بفترة قصيرة، لم أتمتع بما أنجزت، أُحرقت 22 لوحة جدارية من مجموعة “ألف ليلة وليلة”، أصبحت رمادا، منزلي الصغير في أحد أحياء حلب القليلة الآمنة، احتواني مرة أخرى، لم أغيّر عاداتي اليومية كثيرا، بقيت أنزل إلى مطعم “ونيس”.. لكن لم يعد هناك رواد كثيرون، تراجعت أعدادهم تدريجيا، حيث بت أكمل جلستي محاطا بالفراغ، وعمال المطعم الذين تتعلق عيونهم بشاشة تلفزيون تنقل صور الدمار والأشلاء المتناثرة”، تماما.. كما في لوحاته.

:: اقرأ أيضاً

:: اختيارات المحرر