الجمعة 24 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، العدد: 10822

الجمعة 24 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، العدد: 10822

تجدني بين أغصان الشجرة

لوحات أبدعها فنانون تلقوا دراسة فنية حثيثة، ليختاروا تبني خطاب فنيّ أسلوبه طفولي وداخله يختصر هواجس الإنسان العربي المعاصر ومعايشته لأزمات شحذت خياله وعمّقت تجربته الفنية.

العرب ميموزا العراوي [نُشر في 2016/05/06، العدد: 10267، ص(17)]

أخبرني أحد الأصدقاء أنه في سنين مراهقته كان يحب أن يتسلق شجرة التين في ضيعته، كان يأخذ معه روايات “إلى فوق” ليقرأها، وهو يتناول ثمرات التين الناضجة الواحدة تلو الأخرى حتى يغلبه النعاس على أحد أغصانها.

إحدى هذه القصص كانت “جدتي في الشجرة”، وهي من الروايات التي تركت أثرا في نفسه، أهداني إياها، فقرأتها بشغف طريف، وأنا أتخيل نفسي فوق شجرة تين في عزّ الصيف.

لا أذكر كم مرة طلبت من هذا الصديق أن يعيد على مسامعي قصته مع شجرة التين، لأنها كانت تحمل بالنسبة إليّ سحرا غامضا، كان يمتثل لطلبي، فيعيد بصبر تكرار سرد القصة المرة تلو الأخرى.

لم أفهم حينها رغبتي المتجددة هذه في سماع تلك القصة، إلاّ حينما قرأت “البارون المُعلق” للروائي الإيطالي كالفينو، إذ وجدت فيها أصداء للعالم المحيط وبعض صوره المؤثرة وأشياء كثيرة من أجواء الصديق وشغفه بالقراءة. الرواية هي عن صبي في الثانية عشرة من عمره، كادت التقاليد تخنقه فقرر الصعود والعيش بين أغصان الأشجار إلى الأبد.

لم يرد الكاتب أن يعزل بطل الرواية عن العالم، اشتدت معرفة “كوزيمو”، بطل الرواية، بالعالم الذي ثار عليه، فتفاعل معه، كما ترك أثره في الكثيرين، حتى أنه استقطب إلى شجراته غير العابرات، “فيولا” الحبيبة/الاستثنائية التي غيرت حياته دون أن تُنزله من أشجاره.

وقع الرواية كان مفصليا لناحية استيعابي، ليس فقط لشخصية الصديق، بل أيضا لخصوصية الفن الفطري. ربما يختصر “كوزيمو” جانبا كبيرا من شخصيات العديد من الفنانين في إبداعهم للوحات تحمل ملامح هذا الفن.

مثل “كوزيمو” اختار هؤلاء أن “يستنبتوا” أشجارهم الخاصة ليقصدوها احتجاجا على الواقع المأزوم. مثله، كان احتجاجهم رقيقا يسقيه الشعر، وتكويه الخيبة وتغلفه الطرافة وسمات طفولية تستدعي الابتسامة. مثله، شملت نظرتهم من أحبوا أو ما عكفوا على الصمود في وجهه.

استوفت أعمال هؤلاء الفنانين كافة شروط الفن الفطري الذي يذكّر برسومات الأطفال: دفء الألوان، تجاهل البعد الثالث، والاهتمام بالتفاصيل، وطواف عناصر اللوحة وكأن لا وجود لقانون الجاذبية، والمُبالغة في الأحجام حينا وتقزيمها حينا آخر، حيث لا تبدو واقعية على النحو الذي يراه البالغون، و”أنسنة” النباتات والأشياء وإعطاءها أدوارا رئيسة في اللوحات.

لوحات أبدعها فنانون تلقوا دراسة فنية حثيثة، ليختاروا تبني خطاب فنيّ أسلوبه طفولي وداخله يختصر هواجس الإنسان العربي المعاصر ومعايشته لأزمات شحذت خياله وعمّقت تجربته الفنية.

يكاد هذا الفن المُسمى بالفطري يكون الأقدرعلى احتضان أنواع التيارات الفنية الأخرى، لأنه الأقرب إلى ماهية النزوع الفني. أصوب ما يعبر عن ذلك الفنان ديشيريكو في قوله “لكي تكون الأعمال الفنية خالدة عليها أن تخرج عن طوق الواقع.. في اللحظة التي تتمكن فيها من ذلك ستدخل تلقائيا عالم الرؤيا والأحلام الطفولية”.

من الفنانين العرب الذين تلونت لوحاتهم بأجواء الفن الفطري، أذكر سليمان منصور الذي تتعدى تعبيرية أعماله لوحات روسو والد الفن الفطري، ومحمود فهمي عبود، وسنان حسين اللذين قدما لوحات تتخطى فيها طرافة ومائية الشخوص السابحة في الزرقة، تعبيرية العالمي شاغال.

وأيضا ياسر صافي في لوحات بهذه العناوين “عسكرة”، “برميل”، “دكتاتور”، و”أخت الشهيد”، أذكر أيضا وجوه الفنان سمعان خوام الطفولية والتي لها علاقات ملتبسة مع ما يحيط بها، حول لوحة له ظهر فيها وجه صبي وعلى رأسه سلحفاة يقول الفنان “عندي سلحفاة اسمها مارغو استوحيت هذه اللوحة منها.. هي بالنسبة لي البطء المُسكّن للألم”.

لا أنسى مهند عرابي، وصبيّه المستدير الوجه كالبدر التمام، والفنانة الكويتية تمارا السامرائي في تقديمها لأعمال لها “نلعب، نأخذ اللعبة بجدّية، التهديد حقيقي والخطر أيضا، فرسانا نلعب لعبة الموت كالأطفال”.

هؤلاء في لوحاتهم استطاعوا أن يكونوا في الواقع العربي دون أن تهوي ألوانهم في الحرائق، مثلهم كمثل “كوزيمو” حين اختار أن يرى الشمس وهي تشرق بشكل مختلف، وحيث الضوء واللون في بساطتهما الأولى.

ناقدة من لبنان

ميموزا العراوي

:: مقالات أخرى لـ ميموزا العراوي

ميموزا العراوي

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر