الاحد 30 ابريل/نيسان 2017، العدد: 10618

الاحد 30 ابريل/نيسان 2017، العدد: 10618

التحرش الروسي والحسك السوري

ثمة توتر في العالم تؤججه روسيا، تحت ذرائع التعاطي مع مفهوم الرعايا في الدول المستهدفة على أساس الانتماء القومي أو الديني، أو كما تتبنى إيران مفهومها طائفيا.

العرب حامد الكيلاني [نُشر في 2016/05/07، العدد: 10268، ص(9)]

التصريحات الرسمية عادة ما تتسم بلغة الدبلوماسية واختيار البرقيات الموجزة بدلالات محدودة بمرافقة ابتسامات لا علاقة لها بمضمون مجريات السياسة وآثارها على الأرض.

أصابنا الملل والإحباط من الزيارات واللقاءات الروسية الأميركية على مستوى وزراء الخارجية بما يخص الحالة السورية، ومن اتصالات هاتفية لا تنقطع بين البلدين وتلميحات الناطقين الرسميين اليومية.

أميركا كانت تلعب دور شرطة الآداب السياسية أو العسكرية في العالم على طريقة “دورية الإرشاد الإيرانية” التي تلاحق خروقات الملابس أو خصلات الشعر غير المنضبطة لتعليمات ولي الفقيه؛ أصبحت أميركا في عهد الرئيس باراك أوباما لا تبالي بظاهرة عدم الحشمة والتحرش الروسي.

التحرش يقترب في خطورته من الروليت الروسي الذي لا يشبه لعبة الروليت في صالات قمار لوس أنجلوس أو إمارة موناكو حيث الحظ والأرقام والأرستقراطية تتحول إلى مسدس “ويبلي” وأسطوانة دوارة محشوة برصاصة، تخطئ أو تصيب رأس لاعب يتطاير دما وسط ضجيج رهانات المقامرين بالمال والحياة في عبث عظيم.

تاريخ العالم يحمل لنا أجوبة كثيرة تتعلق بموضوعة الأرض المتنازع عليها، تعود لتطفو على السطح لأسباب وذرائع مختلفة تنتهي غالبا بالحروب وبعدها استسلام الخاسر بالإذعان للمنتصر.

حربان عالميتان أفرزتا واقعا وامتيازات وعلاقات والتزامات بين الدول نشأ من خلالها عالم جديد يحاول أن يداوي جراحه بالتعاون والإعمار وإعادة الأمل بالإنسانية.

ظهرت أميركا كقوة ناشئة ثم تطورت إلى قوة اقتصادية متسارعة مستفيدة من عزلتها الجغرافية وبعدها عن الصراعات القديمة، مما سخر لها أن تكون أرضا للفرص وأحلاما للصناعيين والمبتكرين، إلى أن وقعت الحرب العالمية الثانية وتبنت دورا حاسما في الصراع الذي أسس علاقات مصيرية مشتركة بين أميركا والاتحاد السوفييتي تمثلت بالانتصار على دول المحور.

الحرب العالمية الثانية انتهت بفاجعة الضربة النووية لمدينتين يابانيتين، رغم أن اليابان شهدت إعدامات بالجملة وإبادات وصلت في غضون أشهر إلى أكثر من 300 ألف مواطن، ويعتبر ذلك أمرا داخليا كما يحصل اليوم في سوريا والعراق، كذلك الحال في روسيا، فالمجازر التي ارتكبها الزعماء السوفييت، خاصة جوزيف ستالين، تُعَد الأبشع في تاريخ البشرية لهول أعدادها وأسبابها الأيديولوجية والعرقية، ومنها الإبادات في شبه جزيرة القرم ضد التتار مثلا الذين تم اتهامهم بالتعاون مع الألمان أثناء الحرب، وبين التهجير والقتل أصبحوا أقلية واستمروا مهجرين إلى عهد ميخائيل غورباتشوف، لكنهم لم يعودوا يشكلون من نسبة سكان شبه الجزيرة سوى 12 بالمئة وفقدوا تأثيرهم عندما استغل فلاديمير بوتين نسبة الروس في الاستفتاء للتصويت على ضم شبه جزيرة القرم إلى روسيا.

إعادة سيناريو الأقليات والإبادات المنظمة وتوفير غطاء الأكاذيب والإعلام الداعم لها دون مراعاة للحقائق أو المنطق أو أبسط اشتراطات اللياقة في التعامل على مستوى الأفراد إذا لم نقل الدول، هو عمل مبرمج لا يبالي بالتفاصيل لأنه يتماهى مع حركة الدبابات وسرفات تسحق كل شيء في طريقها من أعراف، لإحداث التدمير المطلوب، كما القصف الجوي فائق الرعب للتأثير على المدنيين الذين يضطرون للمغادرة قسريا هربا من الموت المحتم بكافة أنواع القنابل والصواريخ والبراميل المتفجرة.

في سوريا أو في العراق تتبع روسيا الأسلوب الإيراني، أو تتبع إيران الأسلوب الروسي، إنها وصفة لتحقيق الغايات لوضع العالم تحت إرادة الأمر الواقع في غياب أي قوة رادعة، يراها بعضهم أميركا سابقا وربما مستقبلا، ويراها آخرون روسيا في حالة التهور الأميركي وما أكثره.

لكننا عند احتلال العراق، لم نجد من الموقف الروسي إلا الصمت ومرافقة الصياد الإيراني الذي يتحين وقوع العراق فريسة للعدوان لينقض ويغتنم فرصته للانتقام من هزيمته في حرب الثمان سنوات.

روسيا في سوريا تساهم مع إيران في التلاعب بنسب الإحصاء السكاني حسب فرزها الطائفي وتقزيم أعدادها بالقتل والتهجير، مرة بالتسويق الطائفي كمطالب إيرانية يسعى لها الحاكم السوري، ومرة أخرى باستثارة النزعة القومية كما في حالة الأكراد والضغط على تركيا استجابة لمطامح روسية في أماكن أخرى تتعلق بالمرتفعات بين أذربيجان وأرمينيا، أو في الشيشان وداغستان، رغم أن مصالح روسيا مع تركيا تعاظمت بسبب العقوبات المفروضة من حلف الناتو على إثر تدخلها في أوكرانيا وضم شبه جزيرة القرم.

خطورة بوتين تكمن في وضع خرائط التاريخ على طاولة الأهداف الروسية ضمن فترة حكمه التي ستطول “ديمقراطيا” ومنها تدخلاته في جورجيا وأوكرانيا ثم التجرؤ على ضم القرم، وفي ظل نشر الناتو لصواريخه في بولندا والمناورات المتتالية في بحر البلطيق اتسعت التحرشات الروسية لاستعادة أحلامها الإمبراطورية أو السوفييتية ومنها اعتراض طائرة أميركية اقتربت من حدودها، رغم أنها سبق وأثارت إشكالية أمنية ودولية مع تركيا عند إسقاط الطائرة الروسية التي اخترقت المجال الجوي أثناء تنفيذها ضربات على مواقع المعارضة السورية بمحاذاة الحدود التركية؛ أميركا وصفت الاعتراض بالمضايقات لقواعد السلامة المهنية، رغم أن الطائرة الروسية اقتربت جوا لمسافة أقل من عشرة أمتار.

وقبل أيام من اعتراض الطائرة الأميركية، اقتربت طائرتان روسيتان من المدمرة الأميركية “دونالد كوك” في بحر البلطيق أيضا؛ معلوم أن متغيرات السياسة الحادة ترافق الاشتباكات غير المتوقعة أو المتعمدة بما يمكن أن نطلق عليها ظاهرة التحرش العسكري لأغراض الاستفزاز أو الابتزاز.

دول الاتحاد الأوروبي تقترب من يأسنا نحن العرب من الموقف الأميركي تجاه استعراض القوة الروسية، ولهذا لجأت إلى اتخاذ الإحتياطات في التدابير العسكرية على محدوديتها، أما الرئيس أوباما فقد رَحل التدابير الاحترازية إلى الرئيس المقبل.

الدول الإسكندينافية كانت تعتبر نفسها بمنأى عن كل صراعات العالم، لكنها اليوم تصطدم باحتمالات الطموحات الروسية فوق الأرض وفي بحر البلطيق حيث تسبح الحيتان “الغواصات الروسية” في الأعماق، مما اضطر فنلندا إلى استخدام الألغام البحرية لإبعادها عن حدودها والمخاوف قائمة في النرويج والدنمارك.

ثمة توتر في العالم تؤججه روسيا، تحت ذرائع التعاطي مع مفهوم الرعايا في الدول المستهدفة على أساس الانتماء القومي أو الديني، أو كما تتبنى إيران مفهومها طائفيا، لإثارة أسباب النزاعات والإبادات في شبكة نراها متباعدة الخيوط لكنها تلقي بتداعياتها السياسية الدامية بحثا عن صيد ثمين، ليتم بعدها التخلي عن طُعم بائس يمثله حاكم إلى الأبد، بعد أن أصبحت سوريا سمكة كلها شوك وحسك في بلعوم إيران وروسيا.

كاتب عراقي

حامد الكيلاني

:: مقالات أخرى لـ حامد الكيلاني

حامد الكيلاني

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر