الاثنين 24 ابريل/نيسان 2017، العدد: 10612

الاثنين 24 ابريل/نيسان 2017، العدد: 10612

كوميديا سوداء تمتزج بالخيال العلمي في 'نهاية الأيام'

  • تُرى أي شكل سينمائي من الممكن أن يستقر عليه فيلم الخيال العلمي؟ من المعتاد أن السواد الأعظم من تلك الأفلام التي تبتكر وسائل التعبير وتقلب الأزمنة وتتنقّل بين التواريخ إنما يعتمد شكلا غرائبيا وغير مألوف، ويقود المشاهد إلى سلسلة من الاكتشافات، حتى يتشكل في ذهن المشاهد تدريجيا عالم غرائبي وصولا إلى التكامل الجمالي لفيلم الخيال العلمي وما فيه من متعة المشاهدة ومن اكتشاف أماكن وشخصيات، والغوص في عالم مجهول بجميع تفاصيله المتوارية التي يجري عرضها تباعا، هذه المعطيات تحضر بشكل مختلف عما هو معتاد في فيلم “نهاية الأيام” للمخرجة جينيفر لياو.

العرب طاهر علوان [نُشر في 2016/05/09، العدد: 10270، ص(16)]

شخصيات تعيش في زمن فعلي مجهول

سباق مع الزمن، ربما هو توصيف جيد لقراءة فيلم “نهاية الأيام” للمخرجة جينيفر لياو جماليا (إنتاج 2015)، هو ليس غير ليلة ويوم مما تبقى ليس على نهاية أيام الكون، بل على نهاية عقود مجموعة موظفين في شركة غرائبية، شركة لا يتعدى عدد الموظفين الظاهرين أمامنا عن عشرة أشخاص، لكنهم يعيشون في شبه مستعمرة تديرها عجوز مع ابن أخيها، يصنعان أجواء قاتمة وسلطانهما لا يُقهر.

ومع ذلك، فهما في ذلك العالم الخاص الذي يقودان فيه أولئك الموظفين يمتلكان قدرة خارقة، فلا أحد قادر على مواجهتهما، وبإمكان تلك العجوز الهرمة أن تقطع أنفاس أي من الموظفين إذا ما سوّلت له نفسه مواجهتها، ذلك ما تصنعه المخرجة جينيفر لياو بمعية كاتب السيناريو كريستيان راي في هذا الفيلم، وهو فيلمها الروائي الثالث.

لن تعثر في هذا الفيلم الذي ينطوي على الكثير من عناصر الجرأة التي سنأتي على ذكرها، على الكثير مما تبحث عنه في أفلام الخيال العلمي المعتادة، هو شكل أقرب إلى الكوميديا الغرائبية السوداء، هؤلاء الذين يعملون في تلك الشركة يقومون بتصدير أشياء غريبة ومجهولة إلى أنحاء العالم، هم أشبه بمؤسسة بريد، ولكنها ليست كذلك، هنالك ماكنة قديمة تعود إلى بدايات القرن الماضي تمر عليها بطاقات وأوراق تقوم بدمغها وتجميعها، والكل يخوض في سجالات في شأن تصدير تلك الصناديق الموشومة بأسماء دول شتى من أنحاء العالم.

جرأة المعالجة الفيلمية تكمن في تجسيد الأحداث في المكان الواحد، وكأننا أمام عرض مسرحي، الحوار يسهم بالدور الأهم في إيصال الأفكار، بالرغم من تلك السكونية المفترضة للمكان، إلاّ أنك لا تشعر برتابة وملل مما يجري، فهنالك تنويع بليغ في الشخصيات وحتى في الحوار المتشعب والمتداخل بتداخل أمزجة وطباع الشخصيات.

إرادة الجشع المسيطرة على العجوز إيسثر (الممثلة أنا فورغسون) وابن أخيها غودفراي (الممثل بولينو نونيس) تخيّم على تحولات الشخصيات، وخلال ذلك هم يقومون بمراسلات غريبة في ما يشبه الكبسولة التي تُقذف إلى أعلى، فيما يقوم غودفراي بالتوثيق في سياق من السريالية الغرائبية، ثم إن غودفراي هذا هو العين الراصدة لكل تحركات الفريق الخاضع لتلك السيطرة الغرائبية.

جرأة المعالجة الفيلمية تكمن في تجسيد الأحداث في المكان الواحد، وكأننا أمام عرض مسرحي، فالحوار يسهم في إيصال الأفكار

في مقابل مليون دولار ستندفع الشخصيات في مسارات شتى من التنافس، وخلال ذلك تكون مراقبة دورة الزمن والعد التنازلي بانتظار انتهاء المهمة، ذلك ما يسيطر على الشخصيات التي تعيش في زمن فعلي مجهول، تاريخ غامض، ولا ليل ولا نهار يمكن أن يحددا ذلك الامتداد الزمني، وصولا إلى اللحظة التي تقوم فيها إحدى الموظفات بإنهاء القصة كلها، فبمجرد قطع التيار ستتبخر الشخصيتان الاستبداديتان، العجوز إيسثير وتابعها ابن أخيها غودفراي.

سرد فيلمي تتجلى فيه قدرة ملفتة للنظر في رسم الأحداث الأقرب للسريالية، انتهاء حياة الفتاة ميستي (الممثلة جانيت بورتر) في فرّامة للورق، فيما هي كانت علامة فارقة في مسار ذلك السرد تتوقع أنها ستبقى القطب الأساس في تلك الدراما، ولكنها ستختفي كما سيختفي آخرون، وكأنهم خلال ذلك السرد الفيلمي يمارسون نوعا من الشعوذة والضياع.

لا يبدو المشاهد خلال تلك الإحاطة بالأحداث ورسم مسارات الخيال العلمي يتناسب مع نمطية التلقي لمثل ذلك النوع من الأفلام، إنه بحاجة إلى يقظة مختلفة ووعي مختلف، عليه أن يتقبل تلك الكوميديا السوداء في شكل خيالي وفانتازي، هي جرأة تحسب لمخرجة أمضت ردحا من الزمن في التجريب في سلسلة من الأفلام القصيرة، فضلا عن إدارة مؤسسات سينمائية عدة في كندا، ثم لتقدم رؤية مختلفة تماما وغير مألوفة من خلال هذا الفيلم.

بالإمكان القول أيضا إن ذلك التداخل المكاني في الفيلم كان علامة فارقة، رسم المشهد وعنصره المكاني كان على الدوام مرتبطا بالشخصية ورد فعلها، وهي في وسط الأزمة، ثم لينقلب كل شيء دراميا مع تنكر العجوز لتعهدها ونكوثها في الوفاء بالمال الذي وعدت به المجموعة، لكن خلال ذلك كانت هنالك شخصيات تختفي وأخرى تظهر بحسب نمو الحدث، حتى إذا افتقد المشاهد وجود شخصية ما سيقع تحوّل ما يدفعها إلى الظهور مجددا، والحاصل أن تلك الكوميديا السوداء قدمت شكلا ملفتا من أشكال الخيال العلمي ليس مألوفا، ولكنه ينطوي على المغامرة.

:: اقرأ أيضاً

:: اختيارات المحرر