الاربعاء 20 سبتمبر/ايلول 2017، العدد: 10757

الاربعاء 20 سبتمبر/ايلول 2017، العدد: 10757

الصحراء والقبيلة والقبائل.. ما قبل الدولة وما بعدها

رفض الانفصال لا يعني إدارة الظهر لحقائق الخصوصيّة الحضارية والأنثروبولوجية الموجودة في الصحراء وفي منطقة القبائل وفي أماكن تواجد القبائل.

العرب أمين بن مسعود [نُشر في 2016/05/09، العدد: 10270، ص(9)]

إن كانت القبيلة مصدر شرعيّة في مجتمع تطغى فيه العلاقات الوشائجية العشائرية منها أو القبليّة، فإنّ التأسيس للديمقراطية والتأصيل لدولة المواطنة لا يمران عبر مأسسة القبيلة، سلاحا أو إصلاحا.

وإن كانت الصحراء بالمفهوم الأنثروبولوجي فضاء للحكاية الشعبيّة ووعاء للذاكرة الجماعيّة، فإنّ تحويلها إلى كيان صحراوي يقتص من مدنية دولة كبرى مثل المغرب، ويحوّل الكيان الهجين إلى نصف دولة والدولة الطبيعية إلى شبه دولة، يدخل المنطقة في سياق تقويض العمران والتعمير الإنساني في المغرب العربيّ.

ولئن كانت الأمازيغية جزءا من تراث وتاريخ، جزءا معتبرا من منطقة المغرب الكبير، فهذا لا يسمح بتسييس الإثنية الأمازيغية وأدلجتها وتحويلها إلى هويّة مفترسة (وفق مقولة الكاتب الهندي أرجون أبادوراي) تقوم على التناقض مع الهويات المحلية والإقليمية، ومن ثمّة تسوّغ نفسها وتسوّق حالها ضمن مطلبيّة الانفصال عن الدولة المركزيّة.

يعيش المغرب العربي اليوم حالة من انتكاسة التفكير السياسي تتمثّل في الخروج من الحالة التعاقدية القائمة حاليا بين المواطن والدولة، نحو إحياء العلاقات التضامنية الوشائجية الطبيعية للإنسان والقائمة إما في القبيلة أو الإثنية أو المنطقة الجغرافية، وكلها أوعية ارتدادية انتكاسية لمرحلة ما قبل الدولة الوطنيّة.

فأن تسترجع ليبيا اليوم منطق القبيلة ومنطوقها وكذلك القبلية ضمن خطابها وأدائها السياسي، وأن تجد من يسوق لهذه المسلكية في تونس ومصر لا كحالة واقعيّة اجتماعية وإنما كحالة مؤسساتية تنظيمية صلب “ليبيا الجديدة”، فهذا يعني في المحصلة استدعاء “الواقع” الاجتماعي لما قبل الدولة، للوقوع السياسي والفكري وللإيقاع بكافة مشاريع البناء والتأسيس للدولة الليبية.

الغريب أن ذات التفكير القبلي الحاضر في ليبيا بمنظومة ما قبل الدولة، يحضر في الجزائر وفي غرب ليبيا أيضا بمنطق انفصاليّ تحت عناوين حداثيّة قوامها حقّ تقرير المصير والتقسيم الناعم، غير أنّها تستبطن صلبها رجعية سياقيّة كينونتها تحويل الخصوصيّة الثقافية واللغوية إلى “عصبيّة” إثنيّة هي أقرب إلى الشوفينية العرقية منها إلى مفهوم التعددية الحضارية وفق طرح المفكر الكندي ويل كيمليكا.

أمّا البعد الثالث من أبعاد تفكير ما قبل الدولة، فيكمن في تحويل الجغرافيا إلى شرعيّة اجتماع سياسي، ومن ثمّة مشروعيّة كيان تنظيميّ، أو تصييرها إلى هويّة سياسية ذات اجتذاب ثقافي تعمل على تأبيد التباين مع الهويات الأخرى.

وهي مقدّمة تفسيرية تضعنا في سياق الجغرافيا المسيّسة أو الجغرافيا المتناقضة مع التاريخ، وهو ما نجده في عدّة نماذج انفصالية بدأت مع جنوب اليمن، وجنوب السودان، وكردستان سوريا والعراق، وجنوب العراق، واليوم يراد لها أن تنسحب على المغرب باسم “الصحراء الغربية”.

رفض الانفصال لا يعني إدارة الظهر لحقائق الخصوصيّة الحضارية والأنثروبولوجية الموجودة في الصحراء وفي منطقة القبائل وفي أماكن تواجد القبائل، لكن ما يقابل الخصوصيّة هو المواطنة الجامعة فوق الإثنية، وليس الوطن البديل القائم على الإثنية.

المفارقة في منطقة المغرب العربي أنّ إحياء نعرات ما قبل الدولة -القبيلة والإثنية والجغرافيا- سيفضي، في المحصلة، إلى مشاريع ما بعد الدولة، من حيث الفيدرالية الهشّة أو لنقل الانفصال المقنّع وهو ما نستشرفه حاليا في ليبيا بالنسبة لأمازيغ جبال نفوسة والجبل الغربي، أو الانقسام الجغرافي في حال قبلت الرباط أو دفعت إلى ذلك الإرادة الدوليّة، على غرار سيناريو جنوب السودان، أو خلق مناطق الاضطراب والتوتر المستمر على وقع التدخل الدولي وانتهاج النظام للمسلكية العسكريّة، وهو ما نرجحه في الملف الجزائريّ.

الغريب أنّ إحياء نعرات ما قبل الدولة يتقاطع اليوم مع انتشار كيان ما قبل الإنسانيّة وما قبل العقد الاجتماعي وما قبل المدنيّة، ممثلا في تنظيم داعش الإرهابي في مناطق عديدة بليبيا، وقربه من مدينة مصراتة الساحليّة قد يفضي في المحصلة إلى مشهديّة قاتمة في المنطقة المغاربية، قوامها ما قبل الدولة مقدّمة، وما بعد الدولة نهاية، ليوظفها طرف داعشيّ من عصر ما قبل الإنسان والزمان الإنساني. إنّه فرانكشتاين يحلّ في المغرب العربيّ.

كاتب ومحلل سياسي تونسي

أمين بن مسعود

:: مقالات أخرى لـ أمين بن مسعود

أمين بن مسعود

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر