الاثنين 18 ديسمبر/كانون الاول 2017، العدد: 10846

الاثنين 18 ديسمبر/كانون الاول 2017، العدد: 10846

هل تفتتح الهيئة العليا للثقافة في السعودية عصرا ثقافيا جديدا

  • في العام 2009، تقدم المثقفون السعوديون خلال مؤتمرهم الثالث بالرياض عبر الصحافي عبدالله وافيه بمجموعة من التوصيات، كان منها العمل على إنشاء هيئة عليا للثقافة، وكنت من المصوتين على تلك التوصية بالتحديد، وذلك لإيماني بضرورة استقلال الثقافة عن أي جهة رسمية، وانطلاقها حرة بلا قيود غير التزامها بالقانون.

العرب زكي الصدير [نُشر في 2016/05/10، العدد: 10271، ص(14)]

فتح الأبواب والتغيير الثقافي في السعودية استحقاق لا مناص منه

بدأت فكرة إنشاء الهيئة العليا للثقافة بالمملكة العربية السعودية تخطو أولى خطواتها لتكون واقعا بقرار ملكي واضح وصريح، لتدفع بالمثقفين السعوديين إلى حالة من التفاؤل ناحية الأفق الثقافي المتوقّع، خصوصا وأن هذه الهيئة تأتي متكاملة مع هيئة الترفيه في سياق ترسيخ المملكة للمجتمع المدني المؤسساتي الذي يأتي منسجما مع رؤيتها الاستراتيجية للعام 2030. ولكن، هل الأمر بهذه السهولة؟ أن نتخذ قرارا بإنشاء هيئة للثقافة، وقرارا آخر للترفيه، هل الأمر بهذه البساطة؟ أم أنه سيكون تحديا كبيرا في وجه التيار الديني الذي يحرّم الترفيه ويرى في الثقافة دخيلا غربيا من جهة، ويحاصر المثقفين الذين يرغبون في استقلاليتهم من جهة ثانية؟

أسئلة مشروعة

منذ أن بدأت القرارات الملكية تأخذ طريقها لإنشاء الهيئة العليا للثقافة وثمة أسئلة كبيرة تلاحقها، وعلى المسؤولين متابعة مآلاتها بعناية فائقة. فكيف ستكون هيئة للثقافة ذات استقلال مؤسسي وهي ما زالت مرتبطة بوزير الثقافة والإعلام؟ ألم يكن حريا بها رئيسا مستقلا منتخبا؟ وهل سيتم إثر هذا التحديث فصل وزارة الثقافة عن الإعلام؟ أم أنه أصبح هنالك وزارة مختصة بالثقافة وهيئة مختصة بالثقافة أيضا؟ وبالتالي، ما مدى صلاحيات كل جهة منهما؟ وهل ستخفف الهيئة الحمل من على كاهل الفعل الثقافي، كأن يتصل بها المشتغلون في المشهد بشكل مباشر، أم أنها ستضيف ثقلا بيروقراطيا جديدا عليهم، فينبغي أخذ موافقتها بالإضافة إلى الجهات الرسمية السابقة؟

حتى الآن، لا أحد من المثقفين السعوديين الذين قابلتهم يعرف طبيعة الهيئتين (الثقافة والترفيه)، فالجميع يتكهّن ويحلل ويتساءل. وأنا معهم أتساءل: لماذا لم تكن الهيئتان تحت مظلة هيئة واحدة؟ لا سيما وأن مفردة “الترفيه” جديدة على المجتمع السعودي الذي تربّى على هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وعلى ثقافة الحرام والممنوع في حياته اليومية، ولا يمكن فهم ما يوضحها إلا من خلال العودة لاستراتيجية التحول الوطني الثقافي 2030، والتي تأتي بعنوان “تخصيص الأراضي لإقامة المسارح والمتاحف”. وهذا التفسير يجعل الترفيه في خط مواز مع الثقافة.

وعليه، كان متوقعا ببساطة أن تدرج جميع فعاليات الجمعية العربية السعودية للثقافة والفنون تحت مظلة الثقافة والترفيه، حيث تعمل الجمعية حاليا عبر فروعها على مهرجانات للسينما والمسرح والتشكيل، بالإضافة إلى إقامتها -على استحياء وتوار- للورش والحفلات الموسيقية والغنائية، وكل ذلك بطبيعة الحال يندرج تحت مسمى “الثقافة والترفيه”. فلماذا تنشأ هيئة مستقلة للترفيه وأخرى للثقافة وجميع فعالياتهما المتوقعة كلها قائمة بالفعل في أروقة الجمعيات والأندية؟ ثم أين سيكون موقع وصلاحيات الهيئة العامة للسياحة والتراث الوطني من هذا كله؟ فهي الأخرى لها حقها الصريح في تقاسم المشروع الثقافي الترفيهي، بل لقد سعت فعليا في السنوات الماضية إلى تفعيل جزء منه من خلال فعاليات تراثية وسياحية منظمة تندرج بلا شك تحت مسمى “الثقافة والترفيه”.
لا معنى لوجود هيئة للثقافة بالمملكة السعودية إذا لم تكن مستقلة إداريا وماليا واعتباريا عن وزارات الدولة

الاستقلالية والوضوح

إذن، طالما أن هنالك وزارة للثقافة والإعلام ما زالت قائمة بالفعل بمهامها، وتعمل من خلال وكالة الثقافة بجناحين، الأول عبر الأندية الأدبية المختصة بالأدب والثقافة بمعناها الضيق، فتقيم الأمسيات الشعرية والسردية، وتطبع كتب المؤلفين، وتنظم الفعاليات الأدبية، والثاني جمعيات الثقافة والفنون المهتمة بالثقافة بمعناها العام المتضمن للمسرح والموسيقى والسينما والتشكيل، فلا معنى إذن لوجود هاتين الهيئتين إلا إذا كان الهدف الأساسي من إنشائهما أن تكونا مستقلتين إداريا وماليا واعتباريا عن الوزارة، وذلك ضمن تشريعات وميزانية وآلية واضحة لإدارييها والمشتغلين فيها. وبالتالي، لا معنى ساعتها لوجود الوزير رئيسا لمجلس إدارتها. وهذا الأمر لمّ يتم توضيحه من قبل أحد.

لو حيّدنا جميع هذه الأسئلة المشروعة، وتوقفنا عند الهيئتين ككيانين مستقلين لهما وجودهما الفعلي فمن الواضح أننا أمام رغبة حكومية لتهيئة الأرضية لقرارات سيادية ستأتي لاحقا، ولعل من أبرزها رفع الحظر عن دور السينما، وفتح المجال للمستثمرين المحليين والعرب والأجانب للتعاقدات التجارية الخاصة بكل ما يمتّ للثقافة وللترفيه المنسجم مع المجتمع السعودي المحافظ، وهكذا تكون خزينة الدولة بمنأى عن هذه الميزانية التي تقدّم الآن للجمعيات بمخصصات متواضعة لا تتجاوز أحيانا 50 ألف ريالا سنويا (13.3 ألف دولار) فقط. بالإضافة إلى تحريك عجلة الاقتصاد المحلي، بجذب السياحة إلى الداخل من خلال ضخ المليارات، حيث تشير المعلومات التقديرية الأولية لحركة السائحين والمقيمين الذين سافروا خارج المملكة في الربع الأول من عام 2016 إلى أن إنفاقهم بلغ نحو 11.2 مليار ريال.

هذه التعاقدات سترفع من قيمة المخصصات المالية. ولكنها بالضرورة ستسلّع الثقافة والترفيه، الأمر الذي سيجعل المستفيدين منهما هم القادرون فقط على الدفع. وهذا يذكرنا بمشروع هيئة الثقافة البحرينية، حين أنشأت المسرح الوطني البحريني عام 2013، تحت شعار “الاستثمار في الثقافة” على مسرح فاخر أعدّ ليحتضن الفنون العالمية بكل أصنافها وأشكالها من موسيقى، وتعبير جسماني، وباليه، وتمثيل، بجاهزية وفق معايير عالمية. ولكن بتذاكر لا يستطيع دفع تكلفتها عامة الشعب من الفقراء الذين أصبحت آخر همومهم الثقافة والترفيه. والمجتمع السعودي ليس بعيدا عن ذلك، فهو أمام مشكلات اقتصادية كبيرة، على مستوى البطالة والإسكان والصحة والتعليم، وهي القواعد الأساسية في هرم ماسلو للاحتياجات الإنسانية الضرورية. إنها مشكلات أكثر أهمية من ترف الثقافة والترفيه، لكن هذا لا يعني بالطبع إغفال ضرورة التنمية الثقافية والترفيهية المتوازية مع التنمية الاقتصادية والصحية والتعليمية.

ولو تفاءلنا قليلا، ونظرنا إلى الجانب الممتلئ من الكأس، فربما ستسهم الهيئتان من جانبهما في تهيئة الأجواء السياسية العامة بالسماح للاتحادات ونقابات الكتاب والمثقفين والسينمائيين كي تشكل جهة تنظيمية للتشريعات واللوائح التي سيتم تقديمها، إذ كما نعلم فإن هذه الاتحادات أو النقابات مازالت تلقى تحفظات على إنشائها.

هذه النتائج هي مجرد تكهنات واحتمالات قد تكون، وقد لا تكون. ولكن بالمجمل، لا بدّ من الجدية في العمل عليها حتى لا تتحوّل الهيئتان برئاسة الوزيرين الطريفي والخطيب مثل جمعية الرأي، وجمعية الصحافيين السعوديين التي سمعنا عنها في الصحف منذ سنوات ولم نرها.

:: اقرأ أيضاً

:: اختيارات المحرر