الثلاثاء 30 مايو/ايار 2017، العدد: 10648

الثلاثاء 30 مايو/ايار 2017، العدد: 10648

أنوار قليلة وظلال كثيرة

إذا كنّا مع ظلال المفكرين – الفلاسفة الأنوار مكتسبين حظا من المعارف والتأويلات والشروح والعروض فإنا في ظلال الشعراء لا نقع إلا على مسخرة، بل قل ظلال الشعراء ليسوا بشعراء.

العرب أحمد برقاوي [نُشر في 2016/05/10، العدد: 10271، ص(14)]

تعود إلى أفلاطون فكرة المثال وظله بالمعنيين الأنطولوجي والمعرفي، فالوجود – المثال هو الوجود الحقيقي وما الأشياء الواقعية إلا ظلاله. والتأويل الأدق لهذه الفكرة هو أن المفهوم هو الماهوي، فكان أول من صاغ فكرة المفهوم بوصفه التجريد الماهوي للأشياء، والإنسان في الكهف لا يرى إلا ظلال الأشياء وليس الأشياء في حقيقتها، وليس بمقدور الإنسان أن يرى الأشياء على حقيقتها دون التحرر من الكهف.

غير أن أفلاطون لم ينتبه إلى أن هناك نوعين من البشر الذين يمارسون الكتابة والفنون والسياسة، نوعا يكون المثال وآخر يكون ظلا. فالمبدعون الأصلاء في تاريخ الثقافة الروحية قليلون جدا بالقياس إلى ظلالهم، وفي تاريخ الشعر العالمي والعربي أسماء خالدة لا تبلى، ولسنا بقادرين على ذكر أسمائهم في هذه المقالة القصيرة، حسبنا أن نذكر من العرب أبا العلاء المعري ذروة إبداع الشعر الفلسفي أو إن شئت الفلسفة في إهاب الشعر، فأبو العلاء أصيل من حيث أنه لم يكن له نظير في تاريخ الشعر العربي، وقس على ذلك أبا الطيب المتنبي، وكم من ظلالٍ لهذين النورين حتى يومنا هذا، حتى أنك لتجد شعراء من معاصرينا مازالوا يعانون عقدة المتنبي.

وكم من ظلال قديمة جديدة لابن عربي حسبنا أن نقرأ ما خط عبدالقادر الجزائري الذي لم يكن إلا صورة عن صاحب فصوص الحكم.

أما ظلال هيغل فحدث ولا حرج فهم كثيرون، وإذا ذكرت ماركس فإنك لقادر أن تكتب معجما كبيرا بعنوان ظلال ماركس من لينين حتى ألتوسير. حيث سنجد أسماء كثيرة طبعت المشهد الفلسفي والأدبي في القرن العشرين .

وإذا ما تحدثت عن أنوار الغرب وظلالها عند العرب في الفلسفة فتكاد لا تجد، إلا ما ندر، من نجا من أن يكون ظلاً.

فمحمد أمين العالِم ومهدي عامل وحسين مروة ظلال ماركس حتى العظم، وزكي نجيب محمود ظل للوضعيين المناطقة، وبدوي ظل لهيدغر، وَعَبدالعزيز لحبابي ظل لشخصانية مونيه، وقس على ذلك ظلال فوكو وفرويد وسواهما من أنوار الغرب.

لا شك أن بعض الظلال في الفكر قادرة على أن تجدد في مفهوم هنا وفكرة هناك، وتضيف فهما جديدا للأنوار، كما هي حال غرامشي وجورج لوكاتش مع ماركس، ولكن هناك ظلالا في حال الخيال ليس إلا، وأقل من أن يكونوا شرّاحا.

وإذا كنّا مع ظلال المفكرين – الفلاسفة الأنوار مكتسبين حظا من المعارف والتأويلات والشروح والعروض فإنا في ظلال الشعراء لا نقع إلا على مسخرة، بل قل ظلال الشعراء ليسوا بشعراء. وقس على ذلك ظلال أنوار الفن التشكيلي، الذين يرسمون من وحي غيرهم.

وليس لنا أن ننفي التأثر في بداية العمر الإبداعي عند هذا وذاك، ولكن التحرر من هذه المرحلة شرط ضروري للإبداع وغير كافٍ طبعا. أما الكارثة فتكمن في أن تسود المشهد ظلال الظلال، فإنا نكون إذاك في حال العقم المطلق.

كاتب من فلسطين مقيم في الإمارات

أحمد برقاوي

:: مقالات أخرى لـ أحمد برقاوي

أحمد برقاوي

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر