الاثنين 1 مايو/ايار 2017، العدد: 10619

الاثنين 1 مايو/ايار 2017، العدد: 10619

أدب لاجئ

بعد حديث طويل عن ملكة الرسام الإلهية التي تجعله يمتلك دون غيره من المبدعين جبلة الخلق المتصلة بالطين، يعترف أن الكلام ينتهي إلى الفراغ.

العرب شرف الدين ماجدولين [نُشر في 2016/05/11، العدد: 10272، ص(15)]

كانت حيرة الروائي الأميركي هنري ميلر كبيرة دوما أمام وسائط الإعلام الثقافي بمختلف أصنافها إذ اعتبرته على نحو فج وقاس روائيا فقط دون أي امتداد آخر، هيمنت روايته الشهيرة “مدار السرطان” على باقي التفاصيل الخاصة به كرسام صاحب أسلوب وتراكم ونزوات أخذت من عمره واشتغاله اليومي، لم تشفع العشرات من المعارض التي أقامها في اكتساب سمعة الرسام الذي يتخطى الروائي، وتجلى إبداعه الفني مجرد تفصيل هامشي، يلجأ له في أوقات الفراغ، أو لتفادي الانتحار.

تمثل هنري ميلر في الغالب الأعم ضمن تاريخ الرواية المعاصرة كلاجئ للتشكيل، يعتور لجوءه ما يركب أي لوذ من رغبة في مجرد العيش والبقاء على السطح، ينطبق عليه تماما ما قد ينطبق في السياق العربي على الروائي الفلسطيني جبرا إبراهيم جبرا الذي ظلمت رواياته لوحاته الفنية، هو الذي اختار الانتماء لأكاديمية الفنون ببغداد وحول حياته الإبداعية لحوار دائم بين الكتابة والرسم، لكنه عاش دوما كأديب لاجئ للفن، يصادق الفنانين ويكتب عن أعمالهم ويدرس طلائعهم الفتية، ويرسم أحيانا. ولم تتذكر النخبة الثقافية العربية لوحاته الفنية التي تحدث عنها بحنو لاعج في سيرتيه ” البئر الأولى” و”شارع الأميرات” إلا حين احترقت فيلته/ المتحف المحتضنة لأغلب أعماله التشكيلية، غداة انهيار الدولة بالعراق حيث أكلت النار ذخيرته التي لا تقدر بثمن.

استحضرت هنري ميلر وجبرا إبراهيم جبرا بعد حوار جمعني قبل سنة بصديقي الروائي والشاعر عبداللطيف اللعبي حين كاشفني بشروعه في الرسم، في أوقات فراغه، كان يتحدث بخجل من رغبته تلك على نحو شبيه بما ورد في إحدى رسائل الروائي عبدالرحمن منيف لصديقه الرسام السوري الشهير مروان قصاب باشي، حيث قال إنه تجرأ بعد شهور من الخرس مطلع التسعينات من القرن الماضي، على إنجاز “خربشات” لونية، إثر إحساسه بتعهر الكلمات وفقدانها للعمق والجدوى، قالها على نحو يشي بلجوء حياتي ينتشل صاحبه من الفقد المقترن بالرغبة في إنهاء كل شيء، فبعد حديث طويل عن ملكة الرسام الإلهية التي تجعله يمتلك دون غيره من المبدعين جبلة الخلق المتصلة بالطين، يعترف أن الكلام ينتهي إلى الفراغ.

طبعا ثمة دوما لجوء مناقض من اللون والمادة إلى الكلمة، حمل دوما رغبة في التخلص من وطأة العادة ومن لعنة الضرورة، بيد أن الحرية المشتهاة حملت دوما ملامح التخلص غير المجدي، الناقل لمواجع العقم المقيم، مثل ذلك الذي جعل فنانا شهيرا كماحي بنيبن المغربي يستنقع في محاولات طفولية لكتابة الرواية، دون أي أثر، تذكر القراء بتلك الطرفة الجميلة التي جعلت غوغان يسأل بول فاليري عن فشله في كتابة الشعر وهو الذي يمتلك أفكارا وموضوعات استثنائية، فكان جواب الشاعر له: أننا نكتب بالكلمات وليس بالأفكار.

كاتب من المغرب

شرف الدين ماجدولين

:: مقالات أخرى لـ شرف الدين ماجدولين

:: اختيارات المحرر