الاثنين 23 يناير/كانون الثاني 2017، العدد: 10521

الاثنين 23 يناير/كانون الثاني 2017، العدد: 10521

تركيا… انقسام التوأم السيامي

استقالة داود أوغلو تدل على أن التعايش لم يعد ممكنا مع رجب طيب أردوغان، وعلى أن الأمر يتعلق بخلافات حقيقية ومن الوزن الثقيل ترتبط بمسار الدولة وربما بمصير الحزب نفسه.

العرب إدريس الكنبوري [نُشر في 2016/05/11، العدد: 10272، ص(9)]

أخيرا ترجل رئيس الوزراء التركي أحمد داود أوغلو من منصبه، فاتحا بتنحيه الطريق أمام رجب طيب أردوغان ليصبح الرجل الوحيد؛ فالرجلان اللذان جمع بينهما حلم استعادة تاريخ تركيا العثماني سرعان ما فرقت بينهما المواقف السياسية بسبب الانقسام حول طبيعة ذلك الحلم الإمبراطوري. ويشبه الأمر معركة ربحها الإمبراطور ومعاونه، لكنهما اختلفا في لون العلم.

رغم أن استقالة أحمد داود أوغلو من منصبه شكلت مفـاجأة داخل تركيا وخارجها، إلا أن الخلافات بينه وبين أردوغان ليست جديدة؛ فمنذ تولي داود أوغلو مسؤولية قيادة حزب العدالة والتنمية الحاكم، ورئاسة الوزراء عام 2014، والتباين في المواقف السياسية بين الرجلين في عدد من القضايا الداخلية والخارجية يتفاقم باستمرار.

ولعل تراكم تلك الخلافات في ظرف سنتين فقط يعكس الوتيرة السريعة التي بات يسير بها أردوغـان، منـذ أن شعر بأن قبضته على الدولة بدأت تشتد أكثر، مع التخلص من خصومه الرئيسيين، بالموازاة مع وضع المحسوبين عليه في مفاصل الدولة والحزب بحيث يصبح أكثر اطمئنانا على مستقبله السياسي، في أفق تشطيب المشهد السياسي التركي بما يسمح له بتمرير التعديلات الدستورية التي تمكنه من نقل البلاد إلى النظام الرئاسي.

لا أحد يعرف حتى اليوم ما الذي دار بين الرجلين في آخر لقاء جمعهما، وقرر بعده داود أوغلو تقديم استقالته من مسؤوليته على رأس الحزب ومن منصبه في الحكومة، وهل يتعلق الأمر بصفقة سياسية تم إبرامها؟ لكن المؤكد أن أردوغان نجح، في كل الأحوال، في التخلص من مستشاره السابق في السياسة الخارجية الذي شكل بالنسبة إليه شخصا ثقيل الظل، منذ أن أصبح أردوغان قادرا على الإبحار بمفرده بعيدا عن وصاية “المنظّر” الذي كان يلعب دور التوازن داخل الحزب والحكومة؛ فالواضح أن أردوغان، الذي قدم خلال السنوات الماضية أكثر من عربون على ضيقه بالمعارضة السياسية في البلاد، كان لا بد أن يكون أكثر انزعاجا من أي صوت نشاز داخل الحزب من باب أولى.

استقالة داود أوغلو تدل على أن التعايش لم يعد ممكنا بين الإثنين، وعلى أن الأمر يتعلق بخلافات حقيقية ومن الوزن الثقيل ترتبط بمسار الدولة وربما بمصير الحزب نفسه، وعلى رأسه أردوغان، الذي يريد أن يعطي عن حزبه صورة التنظيم المتماسك الذي يقوده رجل وحيد بدون خصوم. وبالرغم من أن رئيس الدولة نجح طيلة الأعوام الماضية في رص شبكة من المصالح حوله داخل الحزب وفي قلب مؤسسات الدولة وأجهزتها، بينما ظل داود أوغلو مثل العازف المنفرد، إلا أن الحظوة التي يتمتع بها هذا الأخير في الأوساط الإعلامية والسياسية التركية جعلت منه على الدوام عنصر إزعاج.

ففي الفترات الماضية أبدى داود أوغلو مواقف معارضة لجملة قرارات اتخذها أردوغان، مثل التضييق على الصحافة التركية وملاحقة حركة “الخدمة” التي يقودها فتح الله كولن، المقيم في الولايات المتحدة الأميركية، والزج بعدد من الصحافيين في السجن، وشن الحرب على حزب العمال الكردستاني، على اعتبار أن تلك الإجراءات لا تخدم سياسة الانفتاح التي يجب أن تسير فيها البلاد، كما نظر لها هو نفسه في كتاباته السياسية.

بيد أن الخلافات الأكبر انفجرت في محطتين أساسيتين، الأولى عندما وضعت الحكومة برئاسة داود أوغلو حزمة مقترحات قوانين تهم محاربة الرشوة عام 2014، لكن أردوغان قام بإلغائها بدعوى أن الظروف غير مناسبة.

والظاهر أنه قد يكون فهم منها محاولة من داود أوغلو للنكاية به، إذ جاءت تلك المقترحات في الوقت الذي كانت الصحف المحلية تشن حملات على حزب العدالة والتنمية والحكومة بالتورط في الفساد المالي.

أما المحطة الثانية فهي الانتخابات الأخيرة المبكرة التي حقق فيها حزب أردوغان فوزا كبيرا مقابل منافسيه، لكن دون أن يتمكن من الحصول على عدد كاف من المقاعد في البرلمان بشكل يسمح له بتعديل الدستور والإعلان عن نظام رئاسي يمنحه صلاحيات أوسع.

وكانت وجهة نظر داود أوغلو قبيل تلك الانتخابات هي إنشاء حكومة ائتلافية وعدم التسرع في تكريس المبدأ الرئاسي، بينما كان أردوغان مستعجلا تلك الخطوة، لكن نتائج الانتخابات أفسدت عليه خطته وأظهرت سلامة وجهة نظر داود أوغلو.

لكن الخلاف السياسي بين الرجلين لا يعني خلافا في التصور الأيديولوجي لكل منهما. لقد كان داود أوغلو صاحب نظرية العثمانية الجديدة التي بشر بها من داخل حـزب العدالة والتنميـة الحاكـم، لتكون بمثابة الرؤية الإستراتيجية الجديدة التي يسير عليها؛ وهي الرؤية التي تبناها أردوغان وحاول تنزيلها في أكثر من ملف، واختـبر نجاعتهـا في مرحلـة الربيـع العـربي، قبل أن تنقلب الموازين الإقليمية والدولية وتجد تركيا نفسها أمام اختبار جديد.

نظّر داود أوغلو للدور الجديد الذي يجب أن تلعبه تركيا في مرحلة ما بعد الحرب الباردة، بحيث تستعيد تأثيرها القديم كقائدة للعالم الإسلامي على مختلف المحاور، وقد رأى في كتابه “العمق الاستراتيجي” أن سقوط الخلافة العثمانية لا يعود إلى الرفض العربي لها والتمرد عليها بسبب نزعتها الطورانية، بل إلى تراجع تركيا إلى حدودها القومية في الأناضول تحت ضغط القوى الدولية، مما أدى إلى عدم قدرتها على تحمل أعباء العالم الإسلامي التي كانت تتحملها طيلة قرون، ونتيجة لعدم القدرة هذه فقدت “تمثيلية” العالم الإسلامي، وهو ما أدى إلى سقوط الخلافة.

وعلى الرغم من أن داود أوغلو لا يوظف كلمة الخلافة في قاموسه إلا أن عبارة “التمثيلية”هي التي أرادها مفتاحا لسياسة تركيا الجديدة، وهي سياسة لن تنجح في نظره من دون توظيف العمق التاريخي الذي يلعب دورا في تحديد الإدراكات والأنماط السلوكية والتصورات الاستراتيجية لدى اللاعبين الإقليميين والدوليين، ولذلك رأى في كتابه أن محاولة تركيا لعب دور إقليمي ودولي جديد من دون توظيف ذلك العمق التاريخي “تشبه إجراء تحليل سيكولوجي لشخص ما دون التعرف على محتويات ذاكرته”.

واليوم يمكن القول بأن أردوغان أخذ من المنظر الرؤية الاستراتيجية، لكنه لفظ الموقف السياسي.

كاتب مغربي

إدريس الكنبوري

:: مقالات أخرى لـ إدريس الكنبوري

إدريس الكنبوري

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر