الاثنين 24 يوليو/تموز 2017، العدد: 10701

الاثنين 24 يوليو/تموز 2017، العدد: 10701

منزل الفنتازيا الأول

المفارقة تكمن في أنني لم أجد يوما الفن التشكيلي العراقي، إلاّ وهو يعيد تشكيل ذاته من خلال السحرية، إنه منزل الفنتازيا الأول والأخير.

العرب ميموزا العراوي [نُشر في 2016/05/13، العدد: 10274، ص(17)]

من النادر أن يكون لك الحظ في أن تزور بيتا أصيلا من بيوت الفنتازيا، تشرب فيه القهوة اللذيذة في فنجان من فناجينها المزخرفة بالألوان والخيوط الفضية، وتجترع البصريات المتلألئة من "كاسة" ماء رقراقة تحمل إليك فوق عذوبة الماء الثمينة المُطعمة بماء الزهر، عوالم مجهرية تنضح بحياة سحرية باسمة لا حزن من بعدها.

كان لي الحظ الكبير في أن أزور هكذا بيتا مرارا وتكرارا مع والدتي أيام الدراسة الجامعية، البيت كان لصديقتها العراقية وهي القصصية والصحافية ديزي الأمير.

هناك في هذا البيت "غطست" في الحقيقة السحرية، أو في ما جرت العادة على تسميته بـ"الفنتازيا" العراقية، أجمل ما في هذا البيت أنه كان بالنسبة إلي بمثابة تأكيد على “الواقعية” السحرية التي عكفت والدتي وجدتي على زرعها في خيالي منذ سنين الطفولة الأولى، وساهم والدي في تشييد صروحها في كل تعريشة نبات نمت بجنون على الشرفات الواسعة التي تحيط من كل جانب بالمنزل الصغير الذي ولدت وترعرعت فيه.

مرت السنوات وتعرفت أكثر على المزاج العراقي السحري من خلال اللوحات التشكيلية التي ولدت منذ بداية الستينات حتى يومنا هذا.

صرت أعود بذاكرتي أكثر فأكثر إلى أجواء بيت صديقة الوالدة، مُفككة عناصر الروعة و مُسبباتها من خلال اتصالي المتواصل بعالم الفن التشكيلي العراقي، هذا العالم الذي يضاهي بروعته كل ما أنتجته أوروبا من فن تشكيلي ينتمي إلى التيار السحري، أو البدائي، أو التجريدي أو غيرها من التيارات الفنية.

في بيت الصديقة كان بعض الأثاث مصنوعا من قصب الخيزران، والجدران مطلية بالألوان الفاتحة واللوحات وفيرة في تجانس باهر. بيت دافئ امتزجت فيه المُخططات مع الزخارف والشفافية مع الكثافة اللونية.

مازلت أذكر لوحات صغيرة مُعلقة على جدران غرفة الجلوس تسير فيها زوارق خشبية دقيقة على برك من ماء أخضر معدني وهادئ، تحت ضوء شمس ثقيلة تكاد تكون"زيتية" ونخيل وارف مُحمل بتمر لامع.

أذكر أن والدتي أخبرتني بأنها مجموعة فنية لمنطقة الأهواز العراقية التي زارتها مرارا في أيام الصبا، مازلت لا أدري إن كانت تبالغ في قولها إنه كان هناك الآلاف من أصناف الطيور تمر في سمائها، والحقيقة هو أنني لا أريد أن أتقصى حول حقيقة هذا الكلام، وأود البقاء على تصديقه حرفيا.

يا ليت كل فنان ناشئ يعيش في هذا الشرق ويلهث وراء الفنون الغربية، من منطق أنها الأفضل، أن يدرك أنه إذا كانت الواقعية السحرية الأوروبية مدرسة فنية من نتاج زمن معين ولها روادها ومريدوها، فهي، أي السحرية الواقعية، خلية أصلية ونزعة فطرية في الفن التشكيلي العراقي.

يُخيّل إليّ أحيانا أنه حتى بعض الفنانين التشكيليين العراقيين لا يرون سحرية تلك اللوحات التشكيلية، ربما بسبب اعتيادهم على هذا النمط من السحر الذي ولدوا وعاشوا في أحضانه، هذا السحر الذي تآلف عبر السنين مع الحقيقة حتى الاتحاد معها، قبل أن تُشن الحروب ويندحر السحر إلى حين غير معلوم.

أذكر من هؤلاء الفنانين الفنان العراقي محمود فهمي عبود صاحب لوحات تبهر القلب والنظر، قال الفنان في إحدى المقابلات “الفن العراقي يحتاج إلى جرعات أقوى بالفنتازيا، على الأقل يعيد الفنتازيا الرافدينية الخصبة بالخيال والتصورات.. فالثور المجنح هو بحد ذاته فنتازيا من الطراز الأول، وكذلك ملحمة كلكامش، فليس من المعقول أن نبتعد عن تلك الخيالات الواسعة التي أبدع فيها العراقي القديم ونبقى ندور بتكرار ما أنتجه فنانو الحقبة الخمسينية والستينية فقط! أين هي الإضافة المطلوبة التي يحتاجها المتلقي بعد مرور أكثر من نصف قرن على بدء الثورة التشكيلية العراقية المعاصرة التي بدأها الرواد؟ لماذا علينا أن نكرر جزئيات وعناصر ما أنتجوه؟”.

المفارقة تكمن في أنني لم أجد يوما الفن التشكيلي العراقي، إلاّ وهو يعيد تشكيل ذاته من خلال السحرية، إنه منزل الفنتازيا الأول والأخير.

ناقدة من لبنان

ميموزا العراوي

:: مقالات أخرى لـ ميموزا العراوي

ميموزا العراوي

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر