السبت 24 يونيو/حزيران 2017، العدد: 10673

السبت 24 يونيو/حزيران 2017، العدد: 10673

المشهد السوري يكشف أزمة القاعدة ويفضح خلافات الإرهابيين

  • الساحة السورية تكشف كواليس الجماعات الإرهابية وتعرّي الخلافات المحتدمة داخل هذه التنظيمات المسلحة من تكالب على الزعامة، كما تظهر فكرة التوريث والاستقطاب، عبر خطابات المراوغة قصد التكيّف مع الوضع السوري، ويبدو ذلك واضحا من خلال طريقة تنظيم القاعدة في التعاطي مع داعش وسعيها إلى إعادة تسويق نفسها بعد أن بهت حضورها ضمن البنية العقليّة التي تسوّق فيها خطابها، فكان لا بدّ لهذا التنظيم الإرهابي أن يبحث له عن مكان في قلب المعادلة داخل المشهد السوري.

العرب إدريس الكنبوري [نُشر في 2016/05/13، العدد: 10274، ص(13)]

القاعدة والسعي نحو الخروج من عزلتها

بعد أربع سنوات على مقتل أسامة بن لادن، وسنتين على إعلان تنظيم داعش لدولته في سوريا والعراق، يبدو تنظيم القاعدة وكأنه يبحث عن متنفس جديد يعيد من خلاله بناء مشروعيته في المشهد الجهادي العالمي، في مواجهة تنظيم أبي بكر البغدادي، الذي سطا على جزء من المدونة الجهادية التي أرساها “فقهاء” القاعدة وبات يتطلع إلى تقديم نفسه كوريث شرعي لتركة بن لادن.

ومنذ مقتل زعيمه فقد تنظيم القاعدة الكثير من حضوره الرمزي في الأوساط الجهادية، وبات يتحرك من دون كاريزما في بيئة تربط المشروعيّة بالبطولة الفردية وترفض الاعتراف بغير الإنجازات الميدانية على الأرض، وهو ما تفتقد إليه القاعدة في مرحلة قيادة أيمن الظواهري ونجح فيه تنظيم داعش، الذي قدم للجهاديين عرضا مقبولا لم تعد القاعدة أمامه تعكس سوى الشحنة الخطابية والحنين إلى بدايات تكوّن الفكر الجهادي في أفغانستان، أو “طفولة” الموجة الجهادية التي شهدت نضوجها مع تنظيم البغدادي الدموي.

في هذا السياق تندرج الرسالتان الصوتيتان لكل من الظواهري وحمزة بن لادن، نجل مؤسس القاعدة، حول الدعوة إلى الجهاد في سوريا وتوحيد صفوف الجماعات المقاتلة، فقد جاءت الرسالتان في توقيت متزامن، يفصل بينهما يوم واحد، مما يؤكد وجود خطة جديدة وضعها التنظيم لإعادة وضع نفسه في قلب المعادلة داخل المشهد السوري، بعد أن احتجب طويلا خلف تنظيم الدولة.

تعني رسالة نجل بن لادن أن الظواهري لم يعد قادرا على لعب دور الزعيم الروحي للتنظيم، بعد خمس سنوات على غيابه، وأنه فشل في تأسيس كاريزما شخصية داخل التنظيم نابعة من بصمته الخاصة، ما لم يستند إلى المشروعية التاريخية التي يمثلها مؤسس القاعدة.

ودفع نجل بن لادن إلى الواجهة، يأتي بهدف إيصال رسالة إلى الجهاديين في سوريا، بمثابة ورقة أخيرة يذكر بها الظواهري أتباع التنظيم بالمرجعية الجهادية التي ولدت مع القاعدة، ويوحي إلى أتباعه بأن تنظيمه لا يزال محافظا على إرث بن لادن.

ودعوة الظواهري لجبهة النصرة، إلى إنشاء دولتها الإسلامية الخاصة في سوريا، في مواجهة دولة البغدادي، وتحذيرها من الانشقاق عن القاعدة، تحمل مؤشرات جديدة على المأزق الذي باتت تعيشه القاعدة منذ وفاة مؤسسها وتسارع التطورات في سوريا والعراق.

الموقف الجديد من جانب تنظيم القاعدة يرمي إلى إخراج التنظيم من عزلته، وهو يدل بوضوح على أن تنظيم داعش فرض على القاعدة خياراته بتبني أطروحة الدولة الإسلامية

يعي الظواهري أن الساحة السورية اليوم هي المربع الذي يتركز فيه التقاطب بين الجهاديين، وربما هي الاختبار الذي قد يحسم اللعبة بين الجماعات المتطرفة المسلحة، وأن جبهة النصرة هي العين التي يطل بها على الوضع هناك، ولذلك فإن التحذير من الانشقاق يعدّ تعبيرا عن المخاوف لدى الظواهري من أن يفقد آخر الأوراق التي بقيت له.

لقد رفض الظواهري خلافة تنظيم داعش منذ الإعلان عنها عام 2014، وانتقدها في غير مناسبة؛ كما أن كبار منظري التنظيم أمثال أبي محمد المقدسي وأبي قتادة الفلسطيني التحقوا به في النقد الفقهي لخلافة البغدادي وتسفيهها، متعللين بأنها لم تكن خلافة “شورية” واعتمدت تشتيت صفوف الجهاديين بدل توحيدهم، واتهموها بالغلو في التكفير والقتل وسفك الدماء، ولم يكن ذلك تنزيلا لمبدأ بقدر ما كان تعبيرا عن التنافس بين التنظيمين، وانعكاسا لحالة المباغتة التي اصطدمت بها القاعدة أمام موقف الإعلان عن تأسيس الدولة في سوريا والعراق بشكل مفاجئ، وهو ما تدل عليه اليوم دعوة الظواهري إلى إنشاء دولة إسلامية من جانب جبهة النصرة التابع له، بعد فشل مساعيه في إقناع البغدادي بالرجوع إلى صف القاعدة وتوحيد الصف الجهادي، تلك المساعي التي لم تعد سرا بعد أن كشف عنها المقدسي نفسه في مناسبات سابقة.

بات مؤكدا أنّ هذا الموقف الجديد من جانب تنظيم القاعدة يرمي إلى إخراج التنظيم من عزلته، وهو يدل بوضوح على أن تنظيم داعش فرض على القاعدة خياراته بتبني أطروحة الدولة الإسلامية، التي كان تنظيم القاعدة يجعلها سقفا لعملياته الجهادية لا أرضا ينطلق منها، كما صنع تنظيم البغدادي.

كانت القاعدة ترى أن تحديد مجال جغرافي تبسط عليه سلطتها يسهّل مهمة استهدافها، وهي لا تزال تتذكر أنّ تمركزها في جبال تورا بورا والتحالف مع إمارة طالبان قد سرّع في توجيه ضربة لها عام 2001 وتفريق مقاتليها، لذلك ظلت تشتغل كتنظيم مركزي غير مرئي له أذرع مختلفة يمكن أن تسند إليها مهامّ مختلفة بحسب الظروف الميدانية، ولهذا فإن هذه الدعوة إلى جبهة النصرة بإنشاء دولة في سوريا هي خطوة انتهازية من جانب تنظيم القاعدة للتكيّف مع الوضع السوري، مع إبقاء الخيارات الأخرى مفتوحة في الجبهات المختلفة التي تتواجد فيها.

:: اقرأ أيضاً

:: اختيارات المحرر