الاربعاء 24 مايو/ايار 2017، العدد: 10642

الاربعاء 24 مايو/ايار 2017، العدد: 10642

كبسة روسية ومزة فارسية وحمامة بيضاء

العراق خارج معادلة العرب وهو ليس حليفا كما يعتبره بعضهم لولاية الفقيه، إنما إرادته السياسية تابعة وخاضعة وتنطبق على أحزابه الحاكمة وميليشياتها صفة الخيانة العظمى لمجاهرتها بالولاء علنا ورفعها الراية الإيرانية في شوارع بغداد.

العرب حامد الكيلاني [نُشر في 2016/05/14، العدد: 10275، ص(9)]

“قُلْ الحقيقة وإلا..”. جملة صداها يتردد في تكملة العذابات لشعوب عانت من التحقيقات وسعت للنجاة من التعذيب والإهانة، ومؤداها الموت أو منعطفات خطيرة تمتد إلى تربية الأجيال وتستقر كمبدأ عقاب لذنب لم نقترفه أو نرتكبه، فنحن مذنبون لأسباب نجهلها ولا نعلم بها، وقليل منا من لم يجرب التعسف في حياته وسحق إرادته أو كرامته من أجل لقمة عيش نطفحها بالمرارة والمذلة، ليستمر الحال على ما هو عليه.

وسائل البطش وأجهزتها وقيمها المتغلغلة في النفوس، أوصلتنا إلى حياة يومية وجمل لا تبدأ إلا ومفردة الخوف سبيلنا لإبداء الرأي أو التفاهم حتى مع من نحبهم، والعالم يتقاسم بنسب معينة مخاوف الفراق والبعد والخصام والعاطفة عموما، لكننا نخاف أن لا يعود من نودعه صباحاً لأسباب شتى، أخطرها فقدان الأمل وتوقع الشر المحدق بنا.

الخوف رغم تراكمه وهواجسه يعتبر وسيلة أيضا للمقاومة والحماية من المخاطر والتحسب وإعداد المواجهة للاستمرار بقوة تعادل أو توازي أو تقترب من التوقعات.

الثورات تتكون هكذا، مجموعة عوامل تتحد وتتفاقم إلى درجة لا تطاق، من بعدها لا بد من منفذ لتسريب الغضب، المَثَل الذي أمامنا، عودة التظاهرات المنادية بإسقاط نظام الحاكم السوري تحت أجواء هدنة شكلية ومتفاوتة وهشة لم تصمد أمام نيات ومخططات ساعية لكسب الوقت وسحق وتدمير ما بقي من خيمة عزاء الشعب السوري في جنيف التي شيعت مرحلة الانتقال السياسي منذ بدايتها، لأن وفد المعارضة على يقين بأنه سيصطدم بالجدار الأحمر لبقاء الحاكم في كرسي السلطة إلى الموت، مع الدعم اللامحدود من مشروع تصدير الحلم الفارسي التوسعي على حساب العرب، والدعم الروسي الذي يبدو غير محدود أيضاً، لكنه عندما يستنفد غاياته سيتحول إلى محدود ومشروط والمفاجآت تأتي دائما مستعجلة في القصص القصيرة الروسية وهي احتكار لهم لا ينافسهم عليه أحد.

تتعاطى الدول أو الشعوب مع الخوف من خلال مراكز الاستقصاء الموثوق بخبرتها لدراسة التوقعات في رسم السياسات الاقتصادية أو اتخاذ القرارات، ربما نفتقد في بلداننا العربية لمثل هذه الخطوط البيانية المستقاة من عينات مختلفة في مستويات المعيشة والمعرفة من شعبنا، مع ذلك تستفيد من المراكز البحثية أو تستنير بالمراكز الاستراتيجية للتعبير عن قراءة الأحداث، ومنها ما يرشح من تحليلات لما تنشره وسائل الإعلام وهي مصادر لا يستهان بها لأجهزة رصد وتعقب المعلومات والأفكار وتحليلها وتوثيقها كملفات تحت الطلب، أما تحليلات المخاوف فهي قراءة أولية لتذبذب السوق وما يتعلق بدخل الفرد ومؤشرات التضخم والقدرة الشرائية للعملات وتأثيراتها على الحياة العامة، وأيضا لدراسة ردات الفعل المحتملة للقرارات الحاسمة أو حجم المناورات المطلوبة وما ينتج عنها.

الشعارات الوطنية الخلابة والاستعراضات، انتقلت من النزعة الأميركية الرأسمالية إلى الاتحاد الروسي الذي لم نعد نميز تصرفات زعيمه فلاديمير بوتين كقائد أو كوريث شرعي للإتحاد السوفيتي أم زعيم إيماغولوجيا في ظل معرفتنا بأن الإعلان لخدمة السوق والدعاية لأغراض ترويج الأيديولوجيا.

ما قاله بوتين في بداية الاستعراض العسكري بيوم النصر على النازية، ترويج لسياساته في دعم السلام العالمي ومحاربة الإرهاب، وتحدث عن حضارتنا الإنسانية وهي تواجه العنف والوحشية، ودعا إلى قيام منظومة أمن دولية عصرية خالية من التحالفات، كان في حديثه اختصار أو تجريف كما في شخصيته وطموحاته لمنجز مفكرين وفلاسفة استمدت منهم الثورة البلشفية استمرارها لـ70 عاما كانت مؤثرة بكل المقاييس على الفكر الإنساني والاقتصادي للعالم، رغم عثرات زعمائها ونزعاتهم الفردية التي قوضت في النهاية، بسطوة الواقع، كل ذلك التاريخ إلى مجرد مطرقة وعامل مبتسم وحمامة محلقة بيضاء طبعا.

من حقنا نحن العرب أن نبتسم، ليس من فرط السعادة أو الإحساس بالأمل، لكن لأنها طُرفة سوداء أن يتحدث بوتين عن السلام العالمي وحضارة الإنسان، ونحن نرى كيف يستعرض أسلحة القتل والدمار المجربة في حلب والمدن السورية، وإعلان وكالة الأنباء الروسية الرسمية عن امتلاك روسيا ترسانة نووية بإمكانها إبادة العالم بكبسة زر فقط، وكذلك إحالة صاروخ (الشيطان) إلى التقاعد ليحل محله في الخدمة عام 2018، وهو عام بطولة كأس العالم لكرة القدم في موسكو، صاروخ “سارمات” ووصفت الوكالة قدرته في محو ولاية “تكساس” الأميركية من على وجه الأرض، في وقـت أعلنت فيـه إيران إطلاق صواريخ “خليج فارس” البالستية التي تؤكد المعلومات استطاعتها حمل رؤوس نووية.

ثم يتحدثون عن الحرب الوقائية وخدمة البشرية، كخدمة الحاكم وقمع الثورة وإبادة الشعب السوري وإرغامه على النزوح والهجرة وفرض واقع جديد في المفاوضات، لمقايضة الدم ببقاء النظام وتمرير صيغة لتشكيل حكومة موسعة، سينتهي أمرها بإرادة روسية إيـرانية بالتفاوض مع معارضة معدة سلفا للقفز على واقع تصدير الأزمات الداخلية إلى الخارج، كما فعلت ولاية الفقيه، وكما يستعرض بوتين سلامه وحمامته في حلب وقاعدته العسكرية في “حميميم” التي احتفلت بعيد النصر الروسي في سوريا.

بعد حرب 5 يونيو 1967 كان للعراق دور بارز مع السعودية في استخدام النفط كسلاح في المعركة، وفي حرب 6 أكتوبر 1973 أيضا. اليوم العراق خارج معادلة العرب وهو ليس حليفا كما يعتبره بعضهم لولاية الفقيه، إنما إرادته السياسية تابعة وخاضعة وتنطبق على أحزابه الحاكمة وميليشياتها صفة الخيانة العظمى لمجاهرتها بالولاء علنا ورفعها الراية الإيرانية في شوارع بغداد في تحد صارخ لشعب العراق وواقع رفضه لوجودها.

النفط وأسعاره جعلا إيران تهرول لتوقيع الاتفاقية النووية والخلاص من العقوبات وتسليم حلمها النووي أو تأجيله لتواصل دعمها لنظام حاكم سوريا إلى الموت، وحسابات انهيار العملة الإيرانية والمشاكل الاقتصادية، تعرفها أبسط محلات الصيرفة في العراق أو أصحاب الفنادق في النجف وكربلاء الذين يعانون من تراكم الديون المستحقة على الشركات الإيرانية الناقلة للزائرين.

روسيا زادت من إنتاجها النفطي لسد العجز بسبب هبوط الأسعار، وهي تعتمد بدخلها بنسبة 50 بالمئة على الاقتصاد الريعي المتمثل بمبيعات النفط، مع زيادة في التضخم، ونسبة فقر 70 بالمئة لإجمالي الشعب الروسي، ونفقات تسليح متعاظمة، ومبيعات سلاح منخفضة، وعقوبات اقتصادية مؤثرة، وتدن في سعر صرف العملة الروسية الروبل مقابل العملات الأجنبية الذي سيجبر الدولة على زيادة رواتب الموظفين والعاملين في القطاعات الحكومية لمجاراة واقع اقتصادي يضرب حياة المواطن في حاجياته الأساسية، ويكفي مثلاً وجود مليون امرأة تتعرض للابتزاز في تجارة الرقيق الأبيض على أيدي مافيات متعددة تحت لافتات متنوعة كالخدمة المنزلية وغيرها.

واقع يبدو متناقضا في تصدير كل هذا الاستعراض، كما الحفل الموسيقي في تدمر الذي أساء إلى تاريخ روسيا ومنجزها من الموسيقى الكلاسيكية الفذة، وسخرها بوتين في تنافر مجد الإبداع الإنساني وحجم بشاعة آلته الحربية في إعدام شعب.

حاكم سوري إلى المـوت، يبدو أنه سيقول الحقيقـة وإلا.. في ظـل مجـانية الدم وتدني سعر صرف العملة السورية إلى أكثر من 500 ليرة مقابل الـدولار، مـا عاد يهتم بالأيديولوجيـا أو الإيماغولوجيا بل تجاوزها إلى “هوسولوجيا” عملاء ولي الفقيه في العراق، عندما وضع حجر الأساس لمشروع “المزة” على طريقة (يدٌ تبني ويد تحارب العدو الصهيوني) طيبة الذكر، وهو مشروع مزة فارسية في قلب المائدة الدمشقية.

كاتب عراقي

حامد الكيلاني

:: مقالات أخرى لـ حامد الكيلاني

حامد الكيلاني

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر