الاثنين 24 يوليو/تموز 2017، العدد: 10701

الاثنين 24 يوليو/تموز 2017، العدد: 10701

تفجيرات سوق عريبة ببغداد تفضح فساد الدولة وحجم الفجوة الإنسانية

ماذا بيد سنة العراق حتى يتعرضوا لكل هذا الظلم والتهجير والتعذيب؟ حكم وأغلبية وديمقراطية كما تقولون فلماذا تذهبون إلى سوريا وتذبحون الأغلبية لأجل حلفائكم العلويين الأقلية 10 بالمئة؟

العرب أسعد البصري [نُشر في 2016/05/15، العدد: 10276، ص(6)]

بعد أيام من انطلاق أنشودة “شبت النار بحلب” وقع انفجار مؤسف داخل سوق عريبة في مدينة الصدر. وأخذ الحدث بعدا إعلاميا واسعا بسبب الخسائر الكبيرة بالأرواح. وهذا ما يؤكد وجهة نظرنا بأن علينا أن ننتبه إلى خطورة تدخل العراقيين في الشأن السوري وإطلاق أناشيد تتشفّى وتسخر من أطفال حلب وجثثهم المحترقة بالصواريخ، بل إن الأنشودة الشهيرة تفخر بذلك وتقول باللهجة العراقية “احنه سوينه العجب” ثم كنا أمام انفجار أليم وسط بغداد على يد التطرف الداعشي. يبدو أن الإرهاب السني يستفيد من تصاعد الإرهاب الشيعي وخطاباته.

قبل أيام صدر تصوير من حلب النازفة، قذيفة تسقط على مدنيين. الفيلم يُظهر طفلا عمره 3 سنوات ملطخا بالدم بجانب جثة أبيه، يقول للعابرين هذا أبي مقتول ويحاول إيقاظه. بعض الشيعة قالوا طالما المصور يردد “الله أكبر” فهذا يعني أن الضحايا دواعش حتى الطفل. لقد وصلنا إلى طريق مسدودة حقا.

التعاطف ينبغي أن يكون متبادلا لأن الشعور الإنساني لا يتجزأ. لا يمكن لنا أن نرفع السفاح أبو درع على الأكتاف ونفاخر بالبطش والإبادة جماعية، إبادة وجود وثقافة وحق في التعبير وتهجير وخطف وتعذيب، ودعوات لهدم المدن على رؤوس أطفالها وبعد ذلك نتوقع التعاطف الإنساني؟ دون السنة لا يمكن القضاء على داعش، باعتراف محللين عالميين، فهم الطرف الوحيد القادر على اقتلاع هذا الوباء. لهذا ينبغي كسبهم وإظهار التعاطف مع مأساتهم الكبيرة، وليس استفزازهم وتخوينهم.

لا جدوى من فتح القرآن على آيات الجهاد أو كتب التاريخ على الفتوحات العربية أو تاريخ نجد ونتفلسف ونتّهم الآخرين، وكأنّ التشيع أصبح ثورة تنوير ومعسكر الحضارة، والسنة بالمقابل صاروا جميعا إرهابيين وظلاميين. هذا الموضوع انتهى ونحن نعيش عصرا جديدا اليوم. ردات فعل العرب مختلفة اليوم. تفجير واحد أو ألف تفجير ليس بالضرورة مشكلة الإسلام السني فقط، هي مشكلة الظلم والطائفية والفساد أيضا.

حين يموت العبد يتم إلقاؤه بأقرب حفرة، وعلى بقية العبيد العودة إلى العمل، غير أنه حين يموت السيد أو أحد أفراد أسرته يتوقف العمل استعدادا لكلمات التأبين والموسيقى الجنائزية، وعلى جميع العبيد إظهار الحزن والتأثر. مصارع السنة مع الوقت أصبحت كمصارع العبيد بحجة داعش والتطرف، بينما مصارع الشيعة أصبحت مهمة بسبب السلطة، بل يطمحون أن تصبح بمستوى مصارع سادة العالم البيض، مادام القاتل واحد وهو النجس “السني” الإرهابي، هذا خطير وعلى السنة مقاومته نفسيا.

لا منطق مع الطائفية

يقولون علنا “نحرق الفلوجة” و”نهدم الموصل” وأنت تعتاد على كلام من هذا النوع ولا تجرؤ على الرد. ليس على السنة لبس السواد في عاشوراء فقط، بل ربما سيكون لزاما عليهم لبس السواد لمصارع “السادة”، أما مصارعكم فهي مصارع “عبيد” حتى الأطفال سادة وعبيد. إن المعنى النهائي للطائفية العراقية هو هذا “تمييز عنصري” المهم أن لا يقبل السنة ذلك ويقاوموه. الموصل والفلوجة وحلب مدائن سادة أحرار كرام ومسقط رأس المروءات. إن التمييز سياسة قمعية وعلى الإنسان رفضها ولو بقلبه وذلك أضعف الإيمان.

بتفجير إرهابي واحد انقلب المزاج الجماهيري الوطني الذي انطلق قبل أيام ضد الفساد الحكومي، وتحوّل إلى مزاج طائفي شامل. ذهبت مع الريح شعارات التيار الصدري “خل يطلع الإيراني/هذا عراقي آني/يا قاسم سليماني/آني الصدر رباني/ ايران بره بره/بغداد تبقى حره”. لا شيء يقف بوجه المزاج الطائفي ساعة الانفجار وتنقلب الهتافات الوطنية لتصبح أوهى من خيوط العنكبوت بكل أسف، ربما الهتاف الجديد سيكون “أبو درع بالفاسه/والسني نسحگ راسه” مما يثبت بأن الإرهاب السني يخدم الإرهاب الشيعي، والطائفية حليف للطائفية.

الأمهات في الفلوجة يطبخن الحشيش لأطفالهن. وإذا مات طفل تبكيه أمه الثكلى على ضوء الشموع، العمليات الكبرى بلا مخدر في مشفى الفلوجة. هذه المعاناة لا ذكر لها في الإعلام العراقي الرسمي، بل على العكس يروّجون لفكرة قيام داعش بتدريب الأطفال حتى يكون الجميع حتى الأطفال يستحقون القتل.

حلب الشهباء والموصل أم الربيعين، كذلك الأنبار تلك الصحراء العربية التي تحدث فيها الشعراء الجاهليون إلى الذئاب والنجوم. الحواضر السنية كلها هُدِمَتْ وهُجرتْ، لم يبق شبر من الأرض المقدسة التي سارت عليها فتياتنا الجميلات قبل الهجرة إلا وسقط عليه صاروخ. كل تلك المقاتل والنوازل لا ذكر لها في الإعلام العراقي، وفجأة يريدون تحويل انفجار واحد على يد الإرهاب الداعشي إلى مأساة إنسانية عظيمة لهدف سياسي طائفي.

إن دور الميليشيات في سوريا والتشفّي الإعلامي بمعاناة السوريين جعل التعاطف الإنساني المتبادل صعبا. تحول المجتمع السياسي الصفوي إلى معسكر من معسكرات التتار، يمد السفاحين بالجنود. لقد هدموا حواضر سوريا والعراق جدارا جدارا وطفلا طفلا، وأمّا أمّا، وأبا أبا، وقلبا قلبا. لا حلب ولا حمص ولا رمادي ولا فلوجة ولا موصل ولا تكريت. مدن تاريخية أنجبت العمالقة وحماة الديار ترملت وتيتمت جماعيا.

فتياتنا الأنباريات الكريمات العزيزات رأيناهن جالسات على قارعة الطريق في جسر بزيبز ينتظرن الكفالة لدخول بغداد عاصمتهن، والميليشيات تتعامل معهن كملك يمين وسبايا. هذا يؤثّر كثيرا على تعاطف الناس حين يحدث انفجار أو فيضان في حيّ شيعي.

ماذا بيد سنة العراق حتى يتعرضوا لكل هذا الظلم والتهجير والتعذيب؟ حكم وأغلبية وديمقراطية كما تقولون فلماذا تذهبون إلى سوريا وتذبحون الأغلبية لأجل حلفائكم العلويين الأقلية 10 بالمئة؟ وسرقتم بلادكم والمال العام وحقوق الفقراء وما زال البعض مصمما على القتال الطائفي والحكم. لا هيبة دولة ولا أمن ولا قانون، القيادات الشيعية الطائفية معظمهم متورطون بالفساد، والدولة ظلمت السنة بالتمييز الطائفي الكريه والتبعية لإيران. داعش كان إنقاذا للحكم الفاسد حتى تصبح مدينة الموصل مستنقع تخلف وإرهاب ومدينة الصدر حوار الحضارات.

في بغداد اليوم أحزاب إسلامية حاكمة وبيت شيعي وسيستاني ومحاصصة وهمية فالحكم شيعي مطلق مدعوم من إيران، ويقول لك المشكلة بالفكر الديني، وماذا عن ميشيل عفلق والفنانة سعدية الزيدي التي رقصت وسط بغداد بهزيمة الخميني وتجرعه السم؟ لماذا كُنْتُمْ معارضة؟ يقول كان هناك سلاح كيميائي ومقابر جماعية. ولكن لماذا تضربون الشعب السوري بالسلاح الكيميائي وغاز السارين؟ لماذا تطلبون من الأسير أن يردد “لا إله إلا بشار الأسد” هل هناك تفسير آخر سوى الحقد الطائفي؟

سياسة العرب الاستراتيجية هي كسب الشيعة العرب بأيّ ثمن وعدم السماح لإيران باختطافهم والحديث باسمهم لتحقيق طموحاتها. هذا واضح وثابت في السياسة الخليجية والعربية. مهما يكن من أمر، على سنة العراق شرح مظالمهم، ليس من مهماتهم ترديد كلمات القادة العرب، عليهم بذل جهود في الثقافة والإعلام حتى يمكن في النهاية للعرب أن يقولوا للقادة الشيعة انظروا نتيجة الطائفية، وخذوا هذه المظالم بعين الاعتبار إنسانيا. تلك حجة كبيرة على فشل المشروع الإيراني.

يجب أن لا تضيق الأرض بالناس، ويكون هناك تعاطف إنساني متبادل في النوازل، إلا أن الشيعة لاحظوا برودا عالميا على خلفية التفجيرات الدامية والمحزنة في بغداد قبل يومين، وهذا راجع لدور قياداتهم في المشروع الإيراني لإبادة الشعب السوري وسنة العراق.

الرائع حقا هو أن أحد أبناء الفلوجة قد كتب لي متأثرا بجريمة التفجير في سوق عريبة الذي وقع في مدينة الصدر مؤخرا قائلا “إن قتل الأبرياء في مدينه الصدر، أيا كان فاعله داعش أو إيران فهو عمل مدان وخسيس. لم أتأثر وأبكي كما بكيت على هؤلاء الأطفال والنساء والسيدة أم الحلاقين التي اختل عقلها بسبب الحادث الإجرامي. أنا من الفلوجة، قبل عام كنت أُخرج جثث الأطفال الذين قتلهم المالكي ببراميل الموت، دون أيّ استهداف لداعش فقط للانتقام من المدينة. كل هذه الأعمال مدانة شرعا وعرفا وقانونا وأخلاقا”. نتمنى صرخات مشابهة كهذه تكثر وتسد الفجوة والبرود الإنساني بين طرفي الصراع في العراق.

كاتب عراقي

أسعد البصري

:: مقالات أخرى لـ أسعد البصري

أسعد البصري

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر