الثلاثاء 30 مايو/ايار 2017، العدد: 10648

الثلاثاء 30 مايو/ايار 2017، العدد: 10648

استقلال الفيلسوف

الفيلسوف يقف بالضرورة ضد الدكتاتورية، والفاشية، والأصولية العنيفة، والعصبيات المتعصبة وما شابه ذلك من وقائع.

العرب أحمد برقاوي [نُشر في 2016/05/17، العدد: 10278، ص(14)]

ليس هناك أحد من الذين يمارسون الإبداع أكثر استقلالا من الفيلسوف، ولكن ليس هناك أسرع من الفيلسوف في اتخاذ الموقف أيضا، بل قل إن استقلال الفيلسوف هو الذي يحمله على الإسراع في اتخاذ المواقف تجاه أحداث عصره والاندراج فيها فلسفيا. فكيف نفهم ذلك؟

ماذا يعني استقلال الفيلسوف؟ الفيلسوف مستقلا يعني أن مرجعه عقله الفلسفي بما ينطوي عليه من معايير تمليها عليه الفلسفة عموما وفلسفته بشكل خاص. ولا يمكن في الغالب أن يكون هناك تناقض بين المعايير الفلسفية العامة وبين فلسفة الفيلسوف، حتى ليمكن القول إن الفيلسوف ينظر أحيانا إلى فلسفته على أنها المعايير الفلسفية. وليس هناك أدعى للسخرية من أن يتخذ الفيلسوف موقفا مناقضا للمعايير الفلسفية أو لبعض طروحاته

الفلسفية. فمازلنا ننظر باستهجان إلى موقف ألبير كامو من الثورة الجزائرية الذي اعتبر كفاح جبهة التحرير الجزائرية إرهابا، ووقف ضد استقلال الجزائر. ولم يتخلص هيدغر أبدا من تهمة تعاطفه مع النازية حين قبل بمنصب رئيس جامعة برلين أيام هتلر، وما زلنا نشيد بموقف جان بول سارتر المؤيد لكفاح الشعب الجزائري في سبيل حريته واستقلاله عن استعمار بلده فرنسا للجزائر. لم يكن ألبير كامو منسجما مع استقلال الفيلسوف الذي ينطلق من معايير كلية وشاملة عن الحرية، ففيلسوف التمرد هذا لم ينطلق من قيمة التمرد التي دافع عنها ولا من معيار الحرية التي أسس عليها فلسفة التمرد التي عرضها في أكثر من كتاب ورواية.

الفيلسوف، مستقلا، لا يعني أنه حيادي تجاه مشكلات الوطن الخاصة أو المشكلات العالمية، مشكلات العصر الذي يعيشه. بل يعني أنه يصدر عن وعي بالحقيقة والقيم الكلية فيعلن إذاك انحيازه مهما كلفه ذلك من ثمن، فالفيلسوف انتدب نفسه ليفكر بالآخرين وعن الآخرين حتى لو لاقى صدا وعسفا منهم.

“إن استقلال الفيلسوف هو الذي يحول بينه وبين أن يكون منتميا إلى حزب سياسي ما”.

وما محنة الفلاسفة إلا نتيجة لهذا المعنى للفيلسوف المستقل، لم يأبه إسبينوزا أبدا لعقوبات اللاهوتيين اليهود الذين فصلوه من الكنيس اليهودي ومنعوا اليهود من أن يتكلموا معه، ولم يغضب ابن رشد قبله من نفيه إلى أليسانة وإحراق كتبه، حتى الفيلسوف الذي تجبره الحياة على ما لا يطيق، كما حصل مع لوكاتش، يعود إلى مجراه الطبيعي في الاستقلال، ولهذا فصل من الحزب الشيوعي، كما فصل إرنست فيشر، وغارودي.

بل قل: إن استقلال الفيلسوف هو الذي يحول بينه وبين أن يكون منتميا إلى حزب سياسي ما، ولو حصل وأن انتسب في مرحلة شبابه لكنه لا محال سيخرج منه وعن أيديولوجيته، فالحزب نظام وقرار وأيديولوجيا، والفيلسوف فضاء حر وإرادة فردية وعقل مستقل.

فالفيلسوف يقف بالضرورة ضد الدكتاتورية، والفاشية، والأصولية العنيفة، والعصبيات المتعصبة وما شابه ذلك من وقائع، فقيمة الإنسان بوصفها أرفع القيم هي الضوء الذي يهتدي به الفيلسوف، وما زال قول كانط الشهير حجة من أقوى الحجج على قيمة الإنسان “لو كانت سعادة البشرية كلها وقفا على قتل طفل واحد لكان هذا الفعل لا أخلاقيا”.

إن استقلال الفيلسوف بهذا المعنى، وبهذا المعنى فقط ليس إلا استقلال العقل النبيل.

كاتب من فلسطين مقيم في الإمارات

أحمد برقاوي

:: مقالات أخرى لـ أحمد برقاوي

أحمد برقاوي

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر