الاثنين 21 اغسطس/اب 2017، العدد: 10729

الاثنين 21 اغسطس/اب 2017، العدد: 10729

عولمة ثقافية

ألم تكن الشيوعية في أيديولوجيتها الأممية وسياساتها، محاولة أخرى لتكريس نظام عولمة خاص بها، وأنها في إطار هذه المحاولات كانت تكرس سلطة المركز وعلاقة تابعية الأطراف له.

العرب مفيد نجم [نُشر في 2016/05/17، العدد: 10278، ص(15)]

شكل ظهور نظام العولمة قبل حوالي عقدين من الزمن مناسبة للجدل المحتدم بين المثقفين العرب حول الموقف منه، لا سيما أن ظهوره والترويج له جاء في مرحلة تحول كوني وإقليمي خطير، تمثل في سقوط النظام الشيوعي، والنتائج الكارثية لحرب الخليج الثانية. لعبت هذه العوامل والخلفية الأيديولوجية للقوى والجماعات المنخرطة في هذا الجدل، دورا أساسيا في تحديد موقعها من هذا النظام الجديد، وانعكاساته على الهوية الثقافية العربية.

الآن وبعد أن خفت الحديث عن هذا النظام، يحق لنا أن نسأل ألم تكن الشيوعية في أيديولوجيتها الأممية وسياساتها، محاولة أخرى لتكريس نظام عولمة خاص بها، وأنها في إطار هذه المحاولات كانت تكرس سلطة المركز وعلاقة تابعية الأطراف له، في الاقتصاد والثقافة والسياسة، بل جعلت من منظومة الدول الشيوعية في أوروبا الشرقية ودول الاتحاد السوفييتي السابق مجالا حيويا لهيمنتها السياسية والعسكرية والاقتصادية الكلية عليها.

وللحقيقة فإن هذه النزعة ليست وليدة عصرنا الراهن، بل كانت قائمة منذ عصر الإمبراطوريات الكبرى، ويمكن اعتبار محاولة الاسكندر المقدوني لتوحيد العالم تحت سلطته مثالا حيا على ذلك. كذلك كانت الفتوحات الإسلامية محاولة أخرى في هذا الاتجاه، وإن اتخذت مضمونا دينيا. وفي عصرنا الحديث لم يكن الاستعمار سوى تتويج لهذه المحاولة، حيث تحاول الأيديولوجيات الإسلامية المتطرفة في الوقت الراهن أن تجعل من العنف وسيلة لتحقيق أهدافها.

المفارقة في موقف هذه النخب الرافضة لنظام العولمة أنها لم تحاول أن تجري مكاشفة موضوعية مع الواقع الثقافي والسياسي والاجتماعي والتربوي العربي، تكشف فيها ضعف الواقع العربي وعجزه عن مواجهة هذا التحدي، نتيجة لغياب استراتيجيات التنمية الاقتصادية والاجتماعية المستديمة، وانتشار الفساد والقمع اللذين تمارسهما أنظمة الاستبداد العربي، ما خلق مجتمعات نابذة لكوادرها العلمية والثقافية. لذلك فإن الحديث عن استراتيجيات عربية لمواجهة هذا التحدي، في ظل استمرار هذا الواقع السياسي والاقتصادي والتربوي، هو مجرد ذر للرماد في العيون، خاصة وأن أنظمة الاستبداد العربية، من خلال تابعيتها الاقتصادية والسياسية، ليست في وارد التبني لسياسات تغضب أصحاب هذا النظام.

لذلك فإن تلك المؤتمرات والنقاشات التي كانت أشبه بحفلة تنكرية، لم تكن سوى ثرثرة على هامش الحدث، فقد كان المطلوب ومازال هو تصعيد نضال هذه النخب ضد أنظمة الاستبداد من أجل الديمقراطية والحرية والعدالة الاجتماعية، من خلال استعادة علاقة هذه النخب بالقوى الاجتماعية والسياسية لتوحيد نضالها حول هذه الأهداف، وبلورة مشروع ديمقراطي وسياسي نقيض لهذه السلطة، يخلق البيئة المناسبة لإطلاق روح الإبداع والابتكار، وإنجاح مشروعات التنمية في دولة المواطنة والقانون والمشاركة.

كاتب من سوريا

مفيد نجم

:: مقالات أخرى لـ مفيد نجم

:: اختيارات المحرر