الاثنين 16 يناير/كانون الثاني 2017، العدد: 10514

الاثنين 16 يناير/كانون الثاني 2017، العدد: 10514

جمالية النقصان

كم يبدو باردا وجافا صوت الشاعر الذي يقرأ من ديوان مطبوع، يشبه تماما صوت الناقد الذي يقدم ورقة نشرها والروائي الذي يقتطع مشاهد من نص أصدره قبل سنوات وأعاد إصداره مرات عديدة بعد تنقيح وزيادة.

العرب شرف الدين ماجدولين [نُشر في 2016/05/18، العدد: 10279، ص(15)]

حين غنى زكريا أحمد قصيدة بيرم التونسي “أهل الهوى” في جلسة سمر بأحد برامج التلفزيون المصري مطلع الخمسينات من القرن الماضي، بدا التسجيل كأنه في سهرة مرتجلة ينقصها العديد من مقومات الحفلة الغنائية، فقد كانت مفعمة بالاجتهاد وبالنقص معا، ولم يحتفظ فيها المطرب الكبير بسر في شطحه الزائغ، تمادى في القبض والبسط، والتطويح والهزل، فقصيدة بيرم التونسي ليست سهلة ولا ممنوحة بيسر لسامعيها، برغم الآلاف من الإسطوانات التي انتشرت شرقا وغربا بين عشاق أم كلثوم. لهذا تتجلى تلك الصيغة التسجيلية للأداء الناقص والبدائي ممثلة لروح البدايات وجوهر النواة الإبداعية، بحيث باتت سيولتها في لفظ وحدات القصيدة المتغلغلة في صميم الوجدان، تشبه تلك الصيغ الأولى لنصوص لم تنشر بعد وألقى شذرات منها كتاب وشعراء في لحظات أنس عابرة.

أذكر هنا عشرات الأصدقاء من الروائيين والشعراء والقصاصين والمسرحيين، ممن كانت قراءاتهم الأولى لكتاباتهم، في معابر غير جدية، حافلة بالنقص الموحي والارتباك المولد لاحتمالات السبك، وتجلت نصوصهم في بنيات غير مكتملة، بدت مجرد أفكار تبرعمت في كلمات أولى وتصاميم قول يشتهي التحقق، كُشِف عنها النقاب بصوت خافت وبتشديد على الكتمان، محفوفة بكل الأسيجة الحافظة من الاحتراق، وحين كتب لها أن ترى الضوء، في حلة مكتملة الأوصاف، فقدت غلالتها الحريرية، التي اختص بها المريدون والخلان من “أهل الهوى”.

جالت في ذهني كل هذه الأفكار وأنا أعيد التأمل في تلك الرغبة الداخلية لدى المتلقين الأوائل في الاستماع إلى الأصول الأولى ورفض الجاهز، سواء في جلسة سمر أو في محفل أدبي، فكم يبدو باردا وجافا صوت الشاعر الذي يقرأ من ديوان مطبوع، يشبه تماما صوت الناقد الذي يقدم ورقة نشرها والروائي الذي يقتطع مشاهد من نص أصدره قبل سنوات وأعاد إصداره مرات عديدة بعد تنقيح وزيادة، تبدو كل تلك القراءات المكتملة لا شأن لها ولا قيمة في مقابل المحاولات المليئة بالبياض التي تخترقها شكوك الكاتب من كل ناحية فتخرج صادقة في ارتيابها ونقصانها الجميل.

قبل سنتين تابعت جلسة نقدية ساهم فيها ناقد من جيلي وباحث شاب إلى جانب أحد كبار الباحثين في حقل الرواية العربية، وكان هذا الأخير هو المتدخل الأول فتحدث لأزيد من ساعة ارتجالا عن تصوره الناجز والمكتمل والمكرور في مختلف كتبه ومقالاته، لم يطرح سؤالا واحدا ولا افتراضا جديدا يشكك في استنتاجاته السابقة، بدا في النهاية كشيء بلغ به النضج درجة الموت، ولم تعد تُرجى منه أي متعة أو فائدة، بل بات عبئا على السياق عندما أكل من وقت باقي الأصوات الناقصة والمرتابة والطامحة إلى الاكتمال.

كاتب من المغرب

شرف الدين ماجدولين

:: مقالات أخرى لـ شرف الدين ماجدولين

شرف الدين ماجدولين

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر