الاثنين 20 فبراير/شباط 2017، العدد: 10549

الاثنين 20 فبراير/شباط 2017، العدد: 10549

أغان محرمة

منذ عامين زارنا كهل وقور في الملهى، وعندما سمعني أؤدي الخاتمة كما جاءت على لسان أم كلثوم، ناداني ونبّهني مشكورا إلى أنه لا يجوز أن نتحدث عن شيء اسمه مشيئة القدر وإن هناك فقط مشيئة الله.

العرب الحبيب الأسود [نُشر في 2016/05/18، العدد: 10279، ص(24)]

انتبهت فجأة إلى مغنية الملهى وهي تصرخ على رنين الكؤوس "فإذا أنكر خلّ خلّه، وتلاقينا لقاء الغرباء، ومضى كل إلى غايته، لا تقل شئنا فإن الله شاء"، فما أعرفه سابقا أن الشاعر إبراهيم ناجي كتب قصيدته المطولة “الأطلال" فاختارت منها أم كلثوم عددا من الأبيات لحنها رياض السنباطي لنجد أنفسنا أمام عمل فني رائع ظهر لأول مرة في العام 1965 بخاتمة مذهلة من حيث التصوير الدرامي شعرا ولحنا وأداء تنتهي بعبارة "لا تقل شئنا فإن الحظ شاء".

سألت مغنية الملهى ما الذي دفعها إلى اللعب بالخاتمة بهذا الشكل، قالت "لأن ما ورد في النص الأصلي كفر والعياذ بالله"، ومنذ عامين زارنا كهل وقور في الملهى، وعندما سمعني أؤدي الخاتمة كما جاءت على لسان أم كلثوم، ناداني ونبّهني مشكورا إلى أنه لا يجوز أن نتحدث عن شيء اسمه مشيئة القدر وإن هناك فقط مشيئة الله، ومنذ ذلك الوقت تفطنت إلى الخطأ الفادح الذي كنت ارتكبه عن جهل.

قلت لها "أتعتقدين أن الشاعر والملحن والمطربة والنقاد والإعلاميين وأهل السياسة وشيوخ الأزهر ورجال الدين في العام 1965 وما بعده كانوا جاهلين بالدين إلى أن جاء هذا الرجل ليصحح ما يراه خطأ من وجهة نظره؟ وأين؟ في الملهى؟

الأغرب من هذا أنني كنت أشاهد فيلم "معبودة الجماهير" للمخرج حلمي رفلة على إحدى الفضائيات، وكان عبدالحليم حافظ يؤدي أغنية “لست قلبي" للشاعر كامل الشناوي والملحن محمد عبدالوهاب فلاحظت أنه تم حذف المقطع القائل "قدر أحمق الخطى سحقت قامتي خطاه" وحسبت أن الأمر يتعلق بخلل فني في نسخة الفيلم إلى أن اكتشفت بعد فترة أن الأمر يتعلق بمبادرة رقابية تولاها مقص محترف بعد أن قال أحد رجال الدين البارزين إن ذلك البيت الشعري يحمل في ظاهره كباطنه كفرا، وإن في أدائه خروجا عن صحيح الإسلام، كما تبين لي أن الموضوع لم يقف عند تلك الأغنية وإنما تعلق بمقطع "لا أسلم بالمكتوب ولا حارضى أبات مغلوب” من أغنية "على حسب وداد” للعندليب الأسمر وبأغنيتي "جئت لا أعرف من أين" و"من غير ليه" لمحمد عبدالوهاب، وبمقطع لنزار قباني غناه كاظم الساهر "أنا رجل بلا قدر فكوني أنتي لي قدري" ووصل إلى قصيدة جبران خليل جبران التي لحنها عبدالوهاب وغنتها فيروز "أعطني الناي وغن ّ فالغناء سر الخلود وأنين الناي يبقي بعد أن يفنى الوجود".

هذه الأعمال الفنية لم تكن لتثير جدلا عندما أداها أصحابها سابقا، ثم باتت في قفص الاتهام في ظل جرد لإنجازات العقل العربي المبدع ينفذه بعض من يحترفون المتاجرة بالدين فيستغفلون الناس ويرفعون سياطهم في وجه الفكر والفن والحب والجمال ضمن مشروع متكامل هدفه تدمير كل ما تم إنجازه في غفلة منهم قبل أن يستيقظوا من سبات التاريخ.

الحبيب الأسود

:: مقالات أخرى لـ الحبيب الأسود

الحبيب الأسود

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر