السبت 27 مايو/ايار 2017، العدد: 10645

السبت 27 مايو/ايار 2017، العدد: 10645

حذار من 'ريحانة'

بدت مهمة قهرمانة سهلة في اللوحة إذ رسمتها تقوم بخطوات شبه راقصة، أما اللصوص فهم أجمل ما رأيت في اللوحات، وضعتهم كالكبيس في جرار شفافة يرمقون قهرمانة والعالم المحيط بهم بنظرات كاريكاتيرية.

العرب ميموزا العراوي [نُشر في 2016/05/20، العدد: 10281، ص(17)]

استقليت سيارة أجرة منذ مدة قصيرة في أحد شوارع بيروت متوجهة إلى المنزل بعد نهار شاق من العمل، كنت أشعر بسأم عظيم لم يكسر سمّه، إلاّ سائق السيارة، وهو شاب أبدع تدريجيا في الكشف عن توتره الفائق من خلال سلسلة من شتائم، ليست فيها أي لفظة نابية، كان يلقيها على المُشاة أو السائقين الآخرين.

كنت أبتسم في السّر آملة في أن يثير جنونه أمورا كثيرة على الطريق، ليخفف أكثر فأكثر من سأمي، وكان ذلك لحسن حظي، يحدث كثيرا، غير أن أكثر تعبير استعمله السائق، كلما تمكّنت سائقة من أن تعترض طريقه أو تسبقه، هو “له.. يا كهرمانة.. له!”.

“كهرمانة”.. سبق أن سمعت هذه اللفظة من قبل، ولكن لم أذكر تماما معناها، لكنني كنت متأكدة من أنها كلمة سيئة، تجرأت وتكلمت مع السائق ودار بيننا هذا الحديث:

- أراك تستعمل هذه الكلمة كثيرا، ماذا تعني هذه الكلمة؟

- إنها شتيمة.

- صحيح؟ ماذا تعني؟

- تعني المرأة المتصابية، والقادرة.

لا أخفي أن فكرة الجمع بين المرأة “المتصابية” و”القادرة”، ولّدت صورا وأسئلة في ذهني.

خاطرت وأكملت الحديث مع السائق:

- لكن النسوة اللواتي مررن أمامنا لسن قبيحات أو متصابيات؟

- وإن يكن!! هل رأيت كيف يقدن سياراتهن؟

المفارقة أن أسلوب قيادته لسيارته كان أسوأ بكثير، عندها قلت في نفسي “ها قد تعقدت المسألة”، إذ تكونت في بالي أسئلة جديدة، قررت أن أسأل سؤالا أخيرا، وإن كنت أدرك مسبقا بأن الإجابة عليه، في حال حدثت، لن تكون وافية وشافية، سألته:

- والرجل، إن قاد سيارته بهذا الشكل يكون كهرمانا؟

نظر إليّ سائق السيارة باستغراب وبشيء من العصبية، خشيت لحظتها أن أكون تماديت أكثر من اللازم بالحديث معه، ربما صرت في نظره “الكهرمانة الجالسة بقربه”، بعد لحظات من الصمت، قال بكل تهذيب:

- لا، لا يصبح كهرمانا.

امتنعت عن السؤال “ماذا يصبح إذا؟” خوفا من أن يغني معرفتي بشتيمة من العيار الثقيل، بدلا عن ذلك، سألته:

- هل هي كلمة نحوية؟

فأجاب بتململ كبير يشبه هذا الذي كنت أشعر به لحظة امتطائي السيارة:

- هل تعتقدين بأني قاموس يا ست؟ لا أدري!

انتهى الحديث هنا، ولكن لم ينته التساؤل، عندما عدت إلى المنزل بحثت في لسان العرب والمعجم الوسيط عن معنى كلمة “كهرمان”.

فإذا بالكلمة هي قهرمان، وتعني “المُسيطر الحفيظ على من تحت يديه”، أما القهرمانة، فتعني “مدبرة المنزل ومتولية شؤونه”.

لا أعرف تماما كيف تحولت هذه الكلمة إلى شتيمة توجه إلى النساء خاصة وليس إلى الرجال بغض النظر عن رأي سائق سيارة الأجرة، ولكنني في بحثي عن معنى هذه الكلمة عثرت على قصة القضاء على لصوص علي بابا الأربعين، كنت قد نسيتها.

لعبت ابنة علي بابا، واسمها “قهرمانة” المتميزة بالذكاء والشجاعة دورا أساسيا في القبض على اللصوص المختبئين في جرار فارغة بعد أن صبت عليهم الزيت، فأخذ اللصوص يصرخون، فجذبت أصواتهم رجال الشرطة وأمسكوا بهم.

ومع ذلك، فأجمل وأطرف ما يمكن تصوره تشكيليا لهذه القصة بعيدا عن السردية الضيقة، هو ما رسمته في لوحة رائعة الفنانة العراقية وسماء الآغا، فقد رسمت “قهرمانة” الجميلة والذكية والشجاعة في آن واحد، خلافا للقول المأثور على المرأة أن تكون “ريحانة” وليست “قهرمانة”.

لوّنت وسماء الآغا اللصوص باللون الأزرق الذي قيل إنه يرمز إلى الشر في لوحتها، وهو اللون ذاته الذي يستحيل حين ترتديه المرأة في لوحتها فرحا وأملا.

بدت مهمة قهرمانة سهلة في اللوحة إذ رسمتها تقوم بخطوات شبه راقصة، أما اللصوص فهم أجمل ما رأيت في اللوحات، وضعتهم كالكبيس في جرار شفافة يرمقون قهرمانة والعالم المحيط بهم بنظرات كاريكاتيرية.

وسماء الآغا، التشكيلية العراقية، جعلت “ريحانة” القهرمانة، قاهرة اللصوص بوردية ألوانها ورقّة ابتسامتها.

ناقدة من لبنان

ميموزا العراوي

:: مقالات أخرى لـ ميموزا العراوي

ميموزا العراوي

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر