السبت 27 مايو/ايار 2017، العدد: 10645

السبت 27 مايو/ايار 2017، العدد: 10645

مازن الرفاعي يزرع حقولا للوعي في آثاره الفنية

  • عرض الفنان التشكيلي اللبناني مازن الرفاعي في غاليري روشان، وسط بيروت مجموعة جديدة من أعماله الفنية تحت عنوان “بيت في الحقول”، وكعادته لم يتخلّ الفنان في أعماله الفنية التي تقارب العشرين عملا عن عشقه لمدينة بعلبك، وهو من مواليدها، بل غاص أكثر في البحث عن المشهد الصافي، أو المادة الأولية -إذا صح التعبير- التي تكونت منها المشاهد البعلبكية الطبيعية.

العرب ميموزا العراوي [نُشر في 2016/05/20، العدد: 10281، ص(17)]

نبرة تجريدية تستحيل إلى صوفية معاصرة

بيروت - يوجد عدد كبير من الفنانين التشكيليين الذين هم مهندسون، كحال الفنان التشكيلي اللبناني مازن الرفاعي الذي يعرض حاليا معرضه الشخصي “بيت في الحقول” بغاليري “روشان” البيروتي، وقد تجلت تلك الازدواجية في أعمالهم الفنية من حيث تركيب عناصر اللوحة وتصميم الأبعاد وتشييد العلاقة في ما بين الشكل واللون.

ومع ذلك، فالمُتابع لمسيرة الفنان مازن الرفاعي الطويلة والتي امتدت من فترة الثمانينات إلى الآن، يعرف تماما أن الفنان وضع معرفته بعلم الهندسة وقواعدها في خدمة فنه التشكيلي، غير أن هذا لم يكن في السابق ولا في الحاضر أهم ما يميز عمله.

هدوء المهندس

لرفاعي عين “اختراقية” كانت ولا تزال كفيلة بأن تمدّه بكل ما يحتاجه، من أجل بناء مشهد طبيعي نحته بالضوء وأرسى ركائزه بواسطة الظلال، ظلال كادت تكون في بعض اللوحات السابقة له هي الحضور الحسي الوحيد، الذي على أساسه رُكب المشهد بأسره.

لوحات فيها الكثير من الواقعية، ولكنها منسوجة بأدوات غير مرئية غمّست أطرافها في حبر العتمة وضوء شمس الظهيرة الساحق الذي عُرفت به “مدينة الشمس”، بعلبك.

يقول الفنان في إحدى مقابلاته “إن الهندسة هي علم البناء، أما الفن فهو تدمير وإعادة تشكيل”، لكن ليس من المؤكد أن هذا تماما ما يحدث في لوحات الفنان.

ثمة انسجام تامّ بين الاثنين في عالم مازن رفاعي المتكامل، يوجد كم كاف من الشغف في حديثه المباشر كمهندس عن مشاريعه الإنمائية لمدينة بعلبك، كفيل بأن يجعل المستمع إليه يرى ويتخيل مدينة بعلبك وكأنها لوحة تشكيلية باهرة ليس فيها إلاّ ما يطرب النفس. من ناحية أخرى، عندما يرسم المشاهد البعلبكية الناضجة بهدوء “ما فوق طبيعي”، فهو قادر على إقناع الناظر إليها بأن ما يراه في اللوحات هو محض تشييد لواقع بحت شاهده بحذافيره واستحضره في لوحته لكي يراه الآخرون.

الرفاعي عين "اختراقية" كفيلة بأن تمده بكل ما يحتاجه من أجل بناء مشهد طبيعي نحته بالضوء وأرسى ركائزه بواسطة الظلال

بيت الضوء

“بيت في الحقول”، ربما كان من الأفضل لو أطلق الفنان على معرضه عنوان “البيت في الحقول”، لأنه ليس أي بيت، إنه بيت واحد، ولكن في تعدد تمظهراته وتحولاته ضمن اللوحات بأثر ضوء غامض ليس هو ضوء الشمس، كما في سابق لوحات الفنان.

ربما يعدّ ذلك من أهم ما أدخله الفنان حديثا إلى لوحته، فالضوء -وإن كان المشهد المرسوم يسبح فيه- يبدو وكأنه “مخزون” باطني هجر سطح اللوحة ليتغلغل في مكوناتها.

يظهر الضوء في لوحته بعكس صفته المتعارف عليها وهي الانتشار، أصبح في لوحاته المعروضة في الصالة، ضوءا مكنوزا يكتسح بهدوئه كل مكامن اللوحة، ربما لأجل ذلك يشعر الناظر إلى أغلب اللوحات المعروضة بأن هناك سكينة عميقة تكاد تذكّر بالليل، بالرغم من أن اللوحة هي في عزّ تلاوينها.

توجد لوحتان في المعرض عن “معلولا”، وهما بالرغم من فنيتهما العالية يذكران بلوحات الفنان السابقة التي كان فيها الضوء نحاتا وسلطة استمدت شرعيتها من ضوء الشمس الحارقة. أما اللوحات التي يحضر فيها “البيت/ الظاهرة”، فهي التي احتضنت مُستجدات الفنان، حيث يبتعد البيت في لوحات مازن رفاعي؛ في آخر الطريق أو على أقصى المنحدر، أو يكاد يسيل كالماء على سطح هضبة ضئيلة تستعد لأن تُسقى به.

البيت الضئيل في لوحات الفنان، يقول “تعال إليّ، لكن اعلم أن الطريق سيطول بدلا من أن يقصر.. اطمئن، لن يمنعك ذلك من الاستمرار في السير نحوي، بل على العكس، نكاد أنا وأنت نختفي عن الأنظار، ولكن لن نختفي.. حقا”.

في المعرض عدة لوحات ترتفع فيها النبرة التجريدية فتستحيل إلى صوفية مُعاصرة، تكون قد ابتكر أصولها الفنان، أذكر هنا اللوحة ذات البيت، واللون البرتقالي المتفجر بصمت غريب، ولوحة أخرى تهتز فيها الأشجار المجاورة للبيت لتميل بشكل عجائبي، وكأنها شهدت “ليلة قدر” ما، انزوى البيت تحت ظلال تلك الأشجار، ظلال ليس هي الأخرى بظلال طبيعية، لأنها ظلال مضيئة ومشغولة باللون الأبيض، هذا اللون الذي برع الفنان باستخدامه في معرض سابق له حمل عنوان “بعلبك بالأسود والأبيض”.

الضوء يبدو في لوحات الفنان، وكأنه مخزون باطني هجر سطح اللوحة ليتغلغل في مكوناتها

في المعرض أيضا لوحة ثالثة، حيث من المُفترض أن البيت فيها يقع في الأفق البعيد، على آخر الطريق، ولكن أي طريق هو هذا الذي يشبه منحدرا أو أخدودا عميقا؟ ربما هو استعارة لاستعارة عبّر عنها الفنان في معظم لوحاته، أي حيث الطريق يطول بقدر ما تسير أنت فيه أو يبتعد فيه نظرك، حيث الطريق هو أهم من الوصول إلى مكان ما، لأنه

جزء من عملية روحية معقدة تستمد مفرداتها من الاستذكار التخيلي، لا حاجة للفنان إلى أن يقف أمام المشهد الطبيعي الذي اختاره لكي يرسمه بعد أن تسلل إلى نفسه واختلط بخياله.

من هذا الاستذكار التخيليّ بالذات، تولدت النبرة الصوفية/ الشعرية في لوحات مازن الرفاعي، نبرة تريد بأي ثمن أن تخلد المشهد المرسوم عبر ابتكار حيز آخر لها غير قابل للاندثار، كما كل أشياء هذا العالم، لأجل ذلك أيضا تبدو لوحات الفنان وكأنها أشبه بسرد صوفي، ولكن فيه حسّية عالية وألوان مُشبعة بالحياة الأرضية.

إنه البيت في الحقول، المشهد الطارئ الذي قد يختفي في لحظات عن عين الناظر إليه وعين رسّامه على حدّ السواء، ولكن ليس لأنه غير حقيقي، بل لأنه ينتمي إلى عالم الرؤيا.

:: اقرأ أيضاً

:: اختيارات المحرر