الاثنين 25 سبتمبر/ايلول 2017، العدد: 10762

الاثنين 25 سبتمبر/ايلول 2017، العدد: 10762

الرئيس الأميركي ومكافآت نهاية الخدمة

ما حصل من انسحاق للطوابق الناجية من الاحتلال الأميركي للعراق، امتد غباره إلى كل أرض العرب واختنقت تحت ركامه شعوب المنطقة، لأن أميركا أطلقت في الأرض الخراب، المسخ الطائفي.

العرب حامد الكيلاني [نُشر في 2016/05/21، العدد: 10282، ص(9)]

الكيان السياسي في العراق، لا يمكن وصفه بكيان دولة، إنما هو مجموعة شلل نبالغ إذا ارتقينا بها إلى مصطلحات القادة أو المسؤولين أو الأحزاب الحاكمة، فهم منساقون فكريا بشكل أعمى كالتلميذ إلى أستاذه، أو تقديسا بإضافة صنم إلى موكب الأصنام.

حالة العراق الراهنة، تشبه “الباليفوريا” وهي شعور بالبهجة دون أسباب تنتاب المريض في الساعات الأخيرة قبل وفاته.

انعدام الثقة بين الشعب والرئاسات الثلاث والقضاء أيضا، وصل إلى خط بياني متصاعد، مظاهره؛ العنف المستشري تحديدا في بغداد، وفوضى نواب البرلمان وركوب عدد كبير منهم من المعروفين بنزعاتهم الطائفية موجة الإصلاح والليبرالية ورفض المحاصصة، رغم أن أحزابهم مرجعياتها سياسية دينية، راديكالية التمذهب، وبرامجهم الانتخابية كذلك وممارساتهم في الحكم دليلٌ على توجههم الطائفي الصارخ.

الصحوة هذه، انتحار لعملية سياسية انساقت خلف الطروحات الأميركية في صالة ولادة مجلس الحكم الانتقالي بعد الاحتلال، ثم العودة المسرعة إلى حضن الأم والأب الفارسيين في قم وطهران.

السفارة الأميركية في المنطقة الخضراء عززت قوات حمايتها بعناصر استقدمت بعد صدمة باراك أوباما وإدارته باقتحام المتظاهرين للبرلمان وما رافقه من تداعيات كانت مؤشرا على إرباك أكبر محتمل، ينال من حماقات التغاضي الأميركي لفشل الطروحات المتعالية على رغبة الشعب العراقي في التغيير الجذري لقواعد الحكم، وعدم التسليم بأن لا وصاية إيرانية، أو تبعية عراقية لولاية الفقيه وميليشياتها في العراق مستقبلا.

طوفان الإرهاب ضرب العاصمة بغداد، وخلف سيلا من الاتهامات للقوى السياسية المتصارعة على سلطة تستثمر بتجارة التفجيرات وحصاد الموت، لتوجيه الغضب إلى مسارات أخرى من الوجوم والأحزان، وما يمكن أن يستغله الإرهاب بهجوم نوعي كالذي استهدف شركة تعبئة الغاز في التاجي بأربعة انتحاريين فجروا المستودعات وألحقوا أضراراً كبيرة في المعدات والأرواح، وأثر سلبا في تجهيز الطاقة الكهربائية للمواطنين الذين يعانون أساسا من أزمة متفاقمة بسبب الفساد المستمر وتبذير الأموال وسوء التخطيط، مع ارتفاع درجات الحرارة إلى مستويات أعلى من طاقة الإنسان على التحمل وهو نتيجة تغيرات مناخية لا أحد يلتفت إليها رغم مخاطرها الكبيرة؛ والمصدر الأمني في بيانه يستخدم عبارة “إحباط هجوم”.

بين كل حالات التخبط والعشوائية تحاول أميركا تثبيت أركان العملية السياسية بالتوجه إلى تحقيق انتصارات بدعم جوي من طائرات التحالف وقوات عراقية على الأرض لطرد داعش من الطريق الدولي الرابط بين العراق والأردن، وفرعه الآخر إلى سوريا وتحرير مدينة الرطبة وما يمكن أن يتم من إدامة زخم الهجوم لتحرير هيت وعانة وغيرهما.

لكن الإدارة الأميركية ومع اقتراب نهاية فترة الرئيس أوباما لا تبدو بحال أفضل من ساسة مشاعر الابتهاج في شهورهم الأخيرة من حكم العراق، رغم أن نهاية الرئيس الأميركي تأتي بعد نهاية فترتين انتخابيتين، لكنهما يتشاركان في رغبتهما بتحقيق انتصارات مدوية، وتتجه الأنظار إلى الموصل لخوض معركة تحريرها، وهي صعبة بكل الأحوال، وما أُنجز منها لا يتجاوز التقدم بحدود 10 بالمئة على أطراف المدينة وقراها البعيدة، مع نقص في القوات البرية وسلاح الدبابات والآليات الأخرى.

الفلوجة، تظل السؤال واللغز الأكثر إثارة أمام الحكومة العراقية والإدارة الأميركية، عن سبب تأجيل معركة تحريرها، في وقت يتحدثون فيه عن حصار وتطويق لمدة طويلة وأعباء إنسانية لنقص الغذاء والدواء والموت المستمر لسكانها بين فكي كماشة الإرهاب والقصف من قبل القوات العسكرية.

هل معركة الفلوجة، توقيت على ساعة أوباما؟ للانتشاء بانتصار إعلامي يعيد تثبيت صورته كرئيس يتميز بالحكمة والتروي، والحزم أيضا، ويساهم في تدعيم مُرَشَحَة حزبه الديمقراطي على مسافة زمنية قريبة من الجولة النهائية، وممكن استنساخ ذلك على معركة الموصل.

الحسابات السياسية تختلف عن تنفيذ العمليات العسكرية على الأرض، وما تتطلبه من إعداد وتحسب خاصة وأن المعركة تتعلق بثاني أكبر مدينة في العراق بعد العاصمة بغداد. هل ستخوض القوات العراقية المعركة قبل رحيل أوباما عن الحكم؟ أعتقد ذلك، لكن الانتصار فيها غير محسوم، في ظل واقع كهذا ماذا نتوقع أن يحدث؟

الإجابة في العودة إلى احتلال العراق الذي جاء صورة طبق الأصل لانهيار برجي التجارة الدوليين في نيويورك، فمع انهيار المبنيين باصطدام الطائرتين المخطوفتين بالطوابق العليا، انهار البناء تراكمياً دون أن تكون الطوابق الأخرى متضررة، مما استدعى جدلاً طويلاً بين عمالقة الهندسة ومصممي خرائط وهياكل البرجين.

انهيار العراق بالاحتلال الأميركي، لم يكن بإزاحة النظام الحاكم، لكن بإلغاء الدولة العراقية ومؤسساتها وحل جيشها وإبادة خيرة عقولها واختصاصاتها، وإصدار قوانين لتنظيم وإدارة استمرار الأزمات بالخلاف الطائفي والقومي، وتعميق الجهل بترك الصلاحيات لعملائهم وعملاء إيران، وهم على دراية كاملة بطبيعة العلاقة مع نظام ولاية الفقيه وآثار وإفرازات حرب الثماني سنوات.

ما حصل من انسحاق للطوابق الناجية من الاحتلال الأميركي للعراق، امتد غباره إلى كل أرض العرب واختنقت تحت ركامه شعوب المنطقة، لأن أميركا أطلقت في الأرض الخراب المسخ الطائفي، الذي أطلق عليه تلاميذ مدرسة ولي الفقيه الإيراني في العراق بنهوض أو انطلاق المارد “المذهبي” من “قُم قمه”، وأطلقوا لنا وحش القاعدة ثم تم تدعيشه وتسليحه بأرقى التجهيزات العسكرية وفق أدق مخططات الاستخبارات والمخابرات والسيناريوهات المبتكرة.

أقف حائرا أمام إرسال مجموعات صغيرة مهمتها تدريب القوات العراقية المختلفة لشن هجوم غايته الانتصار على تنظيم داعش، وداعش من يدربه؟ ليحقق كل هذه الطفرات في السيطرة على الأرض والمدن والانتقال من بلد إلى آخر وبتعداد أفراد يعادل فرقا عسكرية في الجيوش النظامية.

مع قرب إعدام العملية السياسية للمحتل الأميركي الإيراني، تتسارع خطى الإدارة الأميركية إلى نهاية فترة الحكم للرئيس أوباما، وسنشهد برامج لانتصارات ربما كبيرة، وربما صغيرة، لكن تتسم بالإثارة، وفي إشارة المتحدث باسم التحالف الدولي ستيف وارن إلى استطاعتهم إلقاء القبض على “البغدادي” زعيم تنظيم الدولة، تأكيد على أنهم بصدد إلقاء جثة أخرى في بحر الظلام الذي لا ندري ماذا سيلقي على شواطئنا من هدايا حماقات صناع السياسة والحروب.

كاتب عراقي

حامد الكيلاني

:: مقالات أخرى لـ حامد الكيلاني

حامد الكيلاني

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر