الاثنين 1 مايو/ايار 2017، العدد: 10619

الاثنين 1 مايو/ايار 2017، العدد: 10619

بوزيد بوعبيد فنان الولع العريق

الحالات القادمة من أعماق الذاكرة، مع انحياز ظاهر لذلك المزيج المدوّخ للملامح والصفات الخلاسية، وليدة قدر التجاور في المدينة التي يسميها المغاربة 'الحمامة البيضاء'.

العرب شرف الدين ماجدولين [نُشر في 2016/05/22، العدد: 10283، ص(15)]

لن أنسى يوما ذلك الصباح الصيفي الذي استغرق فيه الفنان المغربي بوزيد بوعبيد (تطوان-1953) في وصف القوة الجسمانية الجبارة لمايكيل أنجلو، التي ساعدته في المكوث طويلا معلقا على دعامات خشبية لرسم لوحات أسقف كنائس الفاتيكان، كان يخاطبني بملامحه ويديه وكيانه كلّه، بعد أن عُلّقنا بدورنا لأزيد من ساعة في مواجهة سقف قاعة الملوك بقصر الحمراء، على مسافة أشبار قليلة من لوحة فريدة في الرسم الإسلامي، تحكي رحلة قنص أحد الأمراء النصريين رفقة فرسان قشتاليين.

كان بوزيد بوعبيد يتحدث بحماس عن تخميناته بخصوص تاريخ اللوحة التي يبدو أن صاحبها أحد الفنانين المسيحيين ممن ترددوا طويلا على بلاطات سلاطين بني الأحمر، منشغلا بتفحص المواد والخلفية وطبقات الترميمات المفترضة، كان يدلي في كل مرة بمعلومة عن القصر وساكنيه عبر التاريخ، في الآن ذاته الذي يحكي حكايته الخاصة عن اللوحة، طبعا حين تجمعك الظروف مع فنان ومؤرخ في لحظة استثنائية كتلك فسيرسخ كلامه ولمحاته وسجاياه في ذاكرتك إلى الأبد.

تلك كانت لحظة لقائي الأقرب مع بوزيد بوعبيد، القرب البصري المنحشر في الضيق، مع درس كنا فيه معا تلميذين نجيبين لمرمّـمي تحفة لا تتاح تفاصيلها لأيّ كان. قبلها كنت قد عبرت عددا من معارضه التشخيصية ذات النفحة الوصفية التأملية، وأخرى ذات الهوى الواقعي بنفس تغريبي، حيث تتجاور اللُّقى والشظايا وسَقْطُ المتاع، مع صور أطفال وفتيان لفحتهم القسوة وشظف العيش، وسكنتهم حيرة الوجود المفتقر للمعنى؛ وحتى في بعض اختراقاته التجريدية الحذرة، كان بوزيد يستدعي الأجساد والفضاءات من الفطرة القديمة ويحولها إلى لهيب لافح.. استوقفتني تلك التجربة المستكينة لولعها بالعريق، مثلما استثارني سعي الفنان لتمثيل الشخصيات الروائية لصديقه محمد أنقار المنغرسة في تربة تطوان الكولونيالية، خصوصا في روايتي “باريو مالقة”، و”شيخ الرماية”، حيث مثّل بوزيد بوعبيد -على نحو ما- صيغة مغربية لجمال قطب راسم شخصيات نجيب محفوظ، إنما بتلقائية حرّيفة، ودونما رغبة في محاكاة اللمسات الرومانسية الظاهرة للفنان المصري.

وهكذا برز على السطح دوما في رسومات بوزيد بوعبيد المائية والزيتية، وتكويناته اللّونية، وتقنيات تخطيطاته للأحجام والكتل والماهيات، ولع بالوجوه والأجساد والملابس والحنايا المنسية، مكتنفة بالأحاسيس الملتبسة، والحالات القادمة من أعماق الذاكرة، مع انحياز ظاهر لذلك المزيج المدوّخ للملامح والصفات الخلاسية، وليدة قدر التجاور في المدينة التي يسميها المغاربة “الحمامة البيضاء”، بين الأرومة الجبلية والنسغ الأندلسي.

لهذا كنت أعتبر بوزيد بوعبيد على الدوام المثال الأوضح لتجذر التقاليد الجمالية الأسبانية في التربة المغربية، ولتقاطع الحساسيات والرؤى الجمالية بين الضفتين، وبالرغم من أن تكوينه الأكاديمي العالي اتصل بأحد أعرق معاهد الفنون الجميلة ببلجيكا، إلا أن تطواحه بين متاحف وكليات الفنون ومدارس الحرف العريقة بأسبانيا كان دون حدّ، وبنهم لا يضاهى إلى استكناه أصول ومسارات الفن الأسباني، من إرهاصاته الأولى إلى تفرّعات التجريب الفني المعاصر، عابرا مراحل الفن المسيحي والقوطي والمابعد القوطي والباركي والرومانسي والانطباعي والتعبيري، بفقه نادر للتفاصيل، يعي التيارات والمنازع الفنية في سياقها التاريخي الحاضن.. لهذا أضحى بديهيا أن يستهوي الفنّان والباحث، على حدّ سواء، تاريخ الأندلس والموريسكيين وما حفل به من ثقافة بصرية امتدّت من العمارة إلى الخطّ، ومن المنسوجات إلى زخرفة النحاس والزليج والجبص والخشب.

كما لم يكن غريبا استغراقه في دراسة علوم الترميم والصيانة الممتدّة من المعمار الإسلامي إلى المنحوتات واللوحات الفنية بمختلف أشكالها، وكم كنت محظوظا بزمالة الأستاذ بوزيد في المعهد الوطني للفنون الجميلة بتطوان، وأنا في بداية اشتغالي على موضوع “الأندلس في الفن الأسباني”، حيث شكلت ملاحظاته الدقيقة في هذا السياق، والوثائق الغنية والغزيرة من صور اللوحات والمونوغرافيات، التي مكّنني منها بسخاء غامر، منطلقي إلى حقل معرفي حافل بالإنجاز.

كاتب من المغرب

شرف الدين ماجدولين

:: مقالات أخرى لـ شرف الدين ماجدولين

:: اختيارات المحرر