الخميس 23 فبراير/شباط 2017، العدد: 10552

الخميس 23 فبراير/شباط 2017، العدد: 10552

من زمن الإسلاميين إلى زمن الإسلام

حركات الإسلام السياسي ساهمت في التراجع الذي أصاب الفكر الإسلامي الحديث، حين أخرجت النقاش من إصلاح الفكر والمجتمع إلى القبض على الحكم.

العرب إدريس الكنبوري [نُشر في 2016/05/24، العدد: 10285، ص(9)]

هناك مأزق حقيقي تعيشه تجربة الإسلام السياسي، مع نفسها ومع محيطها في وقت واحد، بالنظر إلى الحيثيات السياسية والثقافية الجديدة التي انتشرت في المنطقة العربية بعد مرحلة ما سمي بالربيع العربي، والمنحى الدموي الذي سارت عليه جماعات دينية احتلت واجهة المسرح في السنوات الماضية وأصبحت تسعى إلى أن تقدم نفسها كوريث شرعي لتجارب الإسلام السياسي السابقة، ما يعني أن تلك الجماعات تعد، بشكل أو بآخر، الابن الشرعي لتلك التجارب، خاصة وأن عددا منها انطلق بناء على إعادة تقييم لتجربة جماعات الإخوان المسلمين وتصحيح مسارها، كما حصل مع تنظيم القاعدة وزعيمه الحالي أيمن الظواهري، الذي أسس وجهته الجهادية على أساس نقد تجربة الإخوان المسلمين في بلده مصر، وذلك في كتابه”الحصاد المر”.

والواقع أن هذه التجربة سقطت في هذا المأزق منذ النشأة الأولى، وتمثل ذلك في حالة الجفاء التي سادت بين جماعات الإسلام السياسي والمؤسسات العلمية الشرعية، بالمفهوم الديني هنا، في العالم العربي والإسلامي. وطيلة العقود الماضية نجحت تنظيمات الإسلام السياسي في خلق الخصوم أكثر مما أفلحت في صناعة الحلفاء داخل المجتمع الذي ظلت تتحرك فيه. ولكن أبرز تلك الخصومات الخصومة مع الماضي، بسبب القراءات السياسية المبتسرة للتراث الإسلامي، والخصومة مع الحاضر، بسبب التقوقع في الثقافة الطائفية أو الحلقية الضيقة، الأمر الذي جعل تلك التجارب منغلقة على نفسها في وجه التحولات الفكرية والاجتماعية والسياسية، وغير قادرة على الانفتاح الطبيعي على محيطها المتغير.

هذا المأزق بدأت تستشعره بعض التجارب في العالم العربي، كما هو الحال بالنسبة إلى حركة النهضة التونسية، التي أعلنت في مؤتمرها الأخير قرار الفصل بين الدعوي والسياسي، وقال زعيمها راشد الغنوشي في حوار مع يومية “لوموند”الفرنسية إنه من الضروري الحسم مع الإسلام السياسي بشكل نهائي، لأنه أدى مهمته ولم يعد مناسبا للوضع الجديد.

خلقت حركات الإسلام السياسي، التي ظهرت في بداية القرن الفائت، حالة من الفوضى في الفكر الديني الإسلامي، وساهمت بشكل واضح في التراجع الذي أصاب الفكر الإسلامي الحديث، حين أخرجت النقطة المركزية في النقاش من إصلاح الفكر والمجتمع، كما كان ذلك مطلب حركة الإصلاح الديني الأولى، إلى القبض على الحكم، ما ترتب عليه انتفاخ الجانب السياسي في الفكر الإسلامي على حساب الجوانب الأخرى، وهو معطى جديد ما كان ممكنا حصوله من دون هذه الحركات.

بيد أن التوجه الحتمي لهذه الحركات كان واضحا أنه يسير في اتجاه الضمور التدريجي، لفائدة التيار العام في الأمة الذي يتبنى الإسلام بوصفه دينا للجماعة وعنصر توحيد، بدل أن يكون عنصر تفريق داخل المجتمع، وهو ما عنيناه حين ختمنا كتابنا “الإسلاميون بين الدين والسلطة: مكر التاريخ وتيه السياسة” بفصل تحت عنوان”من زمن الإسلاميين إلى زمن الإسلام”، أكدنا فيه أن مصير حركات الإسلام السياسي هو الفشل بعد الاصطدام مع ثقافة الأمة.

الحقيقة أن ما أقدمت عليه حركة النهضة التونسية يكاد يكون أقرب إلى محاولة إنقاذ نفسها أكثر من كونه رغبة صريحة في التغيير من الداخل. فلم يعد خافيا أن تيار الإسلام السياسي في العالم العربي يتلقى اليوم أقوى الضربات، ويواجه تحديا كبيرا على إثر التحولات العظمى التي دخلها الإسلام بسبب الجماعات التكفيرية التي صادرت لغة الإسلام السياسي نفسه لصالحها وشرعت في تبنيها. وتظهر نتائج استطلاع الرأي الذي أجرته مؤسسة “سيغما” التونسية، بشراكة مع المؤسسة الألمانية “كونراد أديناور” والمرصد العربي للأديان والحريات، حول الدين والسياسة ونظرة المواطن لتنظيم الدولة الإسلامية في خمسة بلدان بشمال أفريقيا، أن تونس احتلت المرتبة الأولى في نسبة المطالبين بفصل الدين عن السياسة، وذلك بنسبة 72 بالمئة، تليها مصر بنسبة 71 بالمئة، وليبيا بنسبة 63 بالمئة، والجزائر بنسبة 57 بالمئة، ثم المغرب بنسبة 54 بالمئة.

المغزى من هذه الأرقام تأكيد أن الأغلب الأعم من شباب المنطقة لم يعد يرضى بهذا الربط الذي يقيمه تيار الإسلام السياسي بين الدين والسياسة، وبات يتبرم منه ومن استثمار التدين الشعبي في المعارك السياسية. والمؤكد أن هذه النسب مرشحة للارتفاع مع تزايد التوجه العنيف في التعبيرات الدينية، وهو ما يمهد لصيرورة جديدة مستقبلا، طابعها الانتقال من زمن الإسلاميين إلى زمن الإسلام.

كاتب مغربي

إدريس الكنبوري

:: مقالات أخرى لـ إدريس الكنبوري

إدريس الكنبوري

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر