السبت 24 يونيو/حزيران 2017، العدد: 10673

السبت 24 يونيو/حزيران 2017، العدد: 10673

هدايا متلاشية

إهداء كتاب ما، بفقرة خطية على الصفحة الأولى من الكتاب، ينطوي في العمق على رغبة صادقة من مؤلفه في تمليك شخص ما المعنى المكتوب.

العرب شرف الدين ماجدولين [نُشر في 2016/05/25، العدد: 10286، ص(15)]

من الدوافع الرئيسية التي جعلتني مدمنا على محلات بيع الكتب المستعملة، عثوري في أحيان متكررة على كتب ممهورة بإهداء خطي من مؤلفيها، بعضها لشخصيات لا أعرفها من محيطهم العائلي أو العملي، وبعضها لقراء عابرين، ممن اقتنوا نسخا في واحدة من تلك الحفلات المنظمة من قبل دور النشر للبيع بالتوقيع، غير أني كنت أعثر في لحظات أخرى على عبارات إهداء رقيقة مخضلة بالمودة لشعراء وروائيين ونقاد، أعرفهم وجلهم لا يزال على قيد الحياة، لنظائرهم من الكتاب، وكنت أقتني في الغالب الأعم تلك الكتب، وإن توفرت على نسخ لها في مكتبتي، قبل أن أكتفي في السنوات الأخيرة بتصوير فقرة الإهداء بهاتفي.

والحق أن إهداء كتاب ما، بفقرة خطية على الصفحة الأولى من الكتاب، ينطوي في العمق على رغبة صادقة من مؤلفه في تمليك شخص ما المعنى المكتوب، بصرف النظر عن الورق والحبر والغلاف الصقيل أو المجلّد، ومنح هذا القارئ المفترض رخصة استعمال مفردات ومجازات ومضامين ليست له، بما هي ذخيرة شخصية رمزية يمكن وهبها لأكثر من قارئ، ومن هذا الاعتبار يمكن تخيل الهدية الكتابية بوصفها تجاوزا -في نطاق ما- لنرجسية الكتاب وتعاليهم الفطري، وسعيا إلى التشارك النبيل الذي يعبر به صاحبه عن أرقى مشاعر البذل الإنساني.

لكن ما الذي يجعل شخصا ما يقرر ابتذال ذلك التقاسم الرمزي، وتمهيد الطريق له إلى سوق الكتب المستعملة، الذي هو صيغة مهذبة من أسواق المتلاشيات. هل يتلاشى المعنى الرمزي مثلما تبلى الأحذية؟ أم أن فكرة وهْب المعنى لا تخطر إلا في ذهن الكاتب، أما القارئ فمهتم بمكتبته الشخصية التي تتحول بمرور الزمن إلى ذخيرة.

جرتني هذه الأفكار إلى افتراض حياة أكثر كرامة للكتب المهداة عند باعة الكتب المستعملة، فثمة كتب أعيرت لمن لا ذمة لهم، فتداولتها الأيدي ردحا من الزمن قبل أن تستقر في النهاية على بسطة للمطبوعات المتلاشية، وثمة كتب نهبت من مكتبات أصحابها، وكتب رميت مباشرة بعد تلقيها هدية، استخفافا بأصحابها، وتأبيدا للضغينة، وهناك كتب ورثها أبناء لئام، استبدلوا بقيمتها الرمزية ثمنا قليلا، قد لا يكفي لاقتناء حذاء (لا أعرف بالضبط لماذا تتبادر إلى ذهني الأحذية، في كل مرة، كمقابل للكتب).

أذكر في هذا السياق تلك الحفلات التدنيسية للكتب المهداة التي تقع في المؤتمرات ومعارض الكتب عبر العالم، حيث يقدم فيها كتاب مبتدئون، ممن يتوسمون خيرا في الأسماء اللامعة، إصداراتهم الأولى، متوهمين أنهم سيتوصلون بعد أسبوع برسالة تهنئة أو قد يفاجؤون بمقال في الصحف عن أعمالهم تلك، والحال أن أغلب تلك الإصدارات تنسى عمدا في أول مقهى.

كاتب من المغرب

شرف الدين ماجدولين

:: مقالات أخرى لـ شرف الدين ماجدولين

شرف الدين ماجدولين

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر