الاربعاء 18 يناير/كانون الثاني 2017، العدد: 10516

الاربعاء 18 يناير/كانون الثاني 2017، العدد: 10516

مغارة هرقل

في مغارة هرقل تتداخل حرارة الضوء مع برودة الظل مع خرير الماء مع عبقرية الألوان مع إيقاعات الموسيقى، ليجد الزائر نفسه أمام صفحة أخرى من صفحات العبقرية المغربية.

العرب الحبيب الأسود [نُشر في 2016/05/25، العدد: 10286، ص(24)]

لا يمكن للمغرب إلاّ أن يكون ساحرا، مدهشا، ومثيرا ليس فقط بعراقته وتنوعه وجماله، ولكن كذلك بحالة الإبداع التي يعيشها يوميا من خلال استثماره لتاريخه وتراثه وبصمات الحضارات التي تعاقبت على أرضه لتعطيه ذلك العبق المذهل بخصوصيته المبهرة.

منذ أيام، كنت في سياحة إلى طنجة الجميلة، تلك العروس التي تمد كفّين، واحدة نحو المتوسط والأخرى في اتجاه الأطلسي، وكأنها طائر عشّش على البرزخ، ومد جناحيه بين البحر والمحيط، وأعطى من ألوانه الزاهية إلى المكان، ما يفرده بألق سرمدي قبست منه صفحات التاريخ أزمنة متلاحقة، تتنافس في ما بينها على جدارة الأثر وصدارة الموقع.

ولعل مما أثار دهشتي في طنجة، مغارة هرقل الممتدة سراديبها 30 مترا داخل بطن الجبل، والتي تنسجم في عناق حارّ مع البحر، لتنفتح من داخلها على العشرات من الأساطير، إحداها تلك التي تتحدث عن بنات أطلس بن نبتون الثلاث الجميلات، اللواتي يعشن داخل بستان، ثماره من التفاح الذهبي، ويخضعن لبطش وجبروت وحش قاس، خاض هرقل ابن جوبيتار معركة عنيفة ضده إلى أن هزمه، وحرّر البنات وزوّج إحداهن إلى ابنه سوفاكيس، فأنجبت له بنتا رائعة الجمال، أطلقا عليها اسم طانجيس، ومنه جاء اسم طنجة.

أما المغارة، فتقول الأسطورة إن هرقل عندما كان في معركته مع الوحش، غضب غضبة، فضرب بسيفه الجبل لينشق، ولتنفصل أوروبا عن أفريقيا بعد أن كانتا متلاصقتين في تلك النقطة، ولتتمازج مياه الأطلسي بمياه المتوسط لأول مرة بعد أن كان البحران منفصلين عن بعضهما.

اليوم، يمكن لمن يزور مغارة هرقل التي تم تصنيفها معلما سياحيا عالميا منذ 66 عاما، أن يلاحظ كيف تمت تهيئتها لتتحول إلى مزار سياحي من الدرجة الأولى، سواء من خلال الفضاءات الترفيهية الخارجية، أو من حيث دعم الجدران الداخلية وترميمها وتبليط الممرات وتحديث شبكة الإنارة، وتوفير المجال الملائم لتنظيم طقوس احتفالية تنسجم مع عراقة التاريخ وسحر الأسطورة.

في مغارة هرقل تتداخل حرارة الضوء مع برودة الظل مع خرير الماء مع عبقرية الألوان مع إيقاعات الموسيقى، ليجد الزائر نفسه أمام صفحة أخرى من صفحات العبقرية المغربية التي ستبقى على الدوام عنصر جذب واستقطاب لرغبة الإنسان في الاكتشاف والاطلاع والمعرفة، وفي بحثه عن السعادة المرتجاة تحت خيمة الجاذبية الدائمة.

الحبيب الأسود

:: مقالات أخرى لـ الحبيب الأسود

الحبيب الأسود

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر