الاحد 26 فبراير/شباط 2017، العدد: 10555

الاحد 26 فبراير/شباط 2017، العدد: 10555

القاص الكويتي جاسم الشمري: 'البدون' قضيتي

  • مازال ملف الكويتيين البدون مصدر إلهام أدبي كبير، يستلهم منه الأدباء الكويتيون مناطق للعمل الإبداعي الذي يرجون من خلاله أن يكون جاداً ومجدياً، دون أن تنمو عليه نبتة اليأس. وجاسم الشمري أحد هؤلاء المثقفين الكويتيين البدون الذين قدّموا مشروعهم الثقافي بأمل كبير نحو المستقبل ومآلاته. “العرب” التقت به للحديث عن تجربته الكتابية وعن بعض القضايا الفكرية والثقافية.

العرب زكي الصدير [نُشر في 2016/05/26، العدد: 10287، ص(15)]

أكتب لأعبر إلى حلمي

بين المقالة الساخرة والقصة القصيرة الجادة قدّم الكاتب والقاص جاسم الشمري مشروعه الأدبي خلال ربع قرن وهو يحاول أن يرصد ويتابع وطنه الكويت من نافذة البدون الذين يمتلكون كل شيء على مستوى الكفاءة ولا يمتلكون شيئا على مستوى المواطنة.

أصدر القاص الكويتي جاسم الشمري (مواليد الكويت 1968) مؤخراً مجموعته القصصية الثالثة “يتسلقون… أجلس منزوياً لأغفو” متزامنة مع كتاب آخر يحمل مجموعة مقالات صحافية ساخرة له تحت عنوان “غشمرة” عن دار مسارات الكويتية. ويأتي هذان الإصداران بعد مجموعتين قصصيتين أصدرهما الشمري قبل سنوات، كان الأول في عام 1992 “أمي عينان وبريق”، والثاني عام 1998 تحت عنوان “بدوياً جاء بدوياً رحل”. ويعمل حالياً على عدّة مشاريع أدبية يأمل أن ينجزها لولا أن الوقت –حسب تعبيره – يعصف فيتأجل كل شيء ويبدأ عمل آخر.

الكتابة خلاص

في مجمل تجربة الشمري نواجه ثنائية واضحة بين القاص الجاد والكاتب الساخر، فقد استطاع عبر مقالاته وقصصه أن يقدّم هذه الثنائية دون افتعال مخلّ برسالته التي رآها خلاصاً استحال إلى إخلاص، فرغب أن يأخذها لقارئه. وعن ذلك يحدثنا الشمري “الكتابة ليست تعبيراً عن مكنون، إنّما هي عبور إلى أفق حلم، هكذا كنت أجدها حينما لم أكن قادراً على المضي بقدمي إلى أبعد مما تراه عيناي، وحينما كانت تقيدني المسافات وكأني مربوط بساقية أجرجر قافلة الوقت لأرسم دائرة لا يزيد قطرها إن لم ينقص، وعليه هي خلاص استحال إخلاصاً. أما السخرية فهي رد دين، فنحن سخرية محيطنا وإنا نسخر منهم كما يسخرون، أما الجدية فهي سمت مواجهة عالم مفترس إن لم تكشر له عن أنيابك مزقك إربا”.

في مجموعته القصصية “يتسلقون.. أجلس منزوياً لأغفو” نجد الشمري قاصا ذاتياً في تناوله للقضايا، ولا نكاد نلمس تلك القضايا العامة اليومية الملحة في الكويت، مثل قضية “البدون” إلا من خلال قصتين في المجموعة. يعلّق الشمري على ذلك قائلاً “أنا ابن لقضيتي، أقوم وأقعد بها وعليها، هي مدار حياتي، وأعني هنا الوجود القانوني وأزمة الهوية التي أعانيها وعشرات الألوف مثلي، هي هاجس عملي وأسرتي وتعليم أطفالي ورفاهية عائلتي، ومن هنا، أكتب لأعبر إلى حلمي، ذاتي نعم.. منغلق لا”.

الكتابة ليست تعبيرا عن مكنون، إنما هي عبور إلى أفق حلم حين لا يمكنك المضي إلى أبعد مما تراه

عمل الشمري في بداياته صحافيا متدربا في صحيفة “القبس” الكويتية حينما كانت “دريشة” السميط –حسب تعبيره- مشرعة لانتقاد المسلك الحكومي المتخاذل في ولوج المستقبل، ثم انتقل إلى “المجالس” محرراً فنيا، ثم محرر تحقيقات. وبدأ عمله الصحافي الثالث من خلال “الفجر الجديد”، ثم تحوّل إلى مجلة “المجلة” اللندنية. وعمل مديرا للتحرير في مجلة “الجريمة”، ثم رئيساً للتحقيقات في”الأنباء”، ثم نائباً لرئيس المحليات في “السياسة”، ثم رئيساً للمحليات في “النهار”. وبحكم طبيعة الأعمال الصحافية التي اشتغل فيها، لا بد وأنه مارس الرقابة على المقالات والمواد الواردة عليه بشكل يومي.

توقفنا لنسأل الشمري عن سقوف الحرية التي كان يرسمها للكتّاب رفضًا أو إجازة لمقالاتهم؟ ألا يضعه ذلك في مأزق بين حرية المبدع وقيد الرقيب؟ وكيف ينعكس ذلك عليه؟ يجيب الشمري “عملي الصحافي اختص بمراجعة المواد الإخبارية والجانب الإبداعي فيها يرتكز على ثلاثة أمور: الفكرة وطريقة العرض واللغة المستخدمة، وهذه في مجملها أكون عنصراً مساعداً في توضيبها بالشكل الذي يزيد من مدى تقبلها عند المتلقي. أما النواحي الرقابية فأظن أنها متغيرة بتغير اتجاهات الصحيفة ذاتها من جهة ومن جهة فإن بعضها محكوم بتجريمه قانوناً وهو ما يدفع إلى مراجعة المادة للتأكد من خلوها مما قد يعتبره القضاء مساساً بالأشخاص أو ما يدرج ضمن خانة تجريم ما. ولا أظن أن الحرية تعني الطعن في الآخرين وبالإمكان إيصال الفكرة أو المحتوى دون ضرر أو إضرار”.

ويرى الشمري أن هناك فارقا حقيقيا بين البساطة في التعبير والمباشرة فيه، المباشرة قد توصل الفكرة ولكنها في أحايين كثيرة لا تترك أثرها، أما البساطة في التعبير فهي أن توصل الفكرة أو المضمون بتعبير بلاغي يجد فيه المتلقي لذة ويترك في نفسه أثرا منه”.

فارق حقيقي بين البساطة في التعبير والمباشرة فيه

باقون هنا

في حديثنا عن الأيديولوجيات العربية التي رفعت راية عزلتها من وقت مبكر بينما ما يزال بعض المؤدلجين العرب يحاولون بعث روحها في زمن يديره جيل ثقافي جديد لا يؤمن بهذه الأيديولوجيا، يعلّق ضيفنا ”استعارة أفكار الآخرين أو معتقداتهم لا أظن أن بإمكانها أن تثمر في أرض لا تحمل ذات الخصائص، وفي ظني أن هذه الأفكار إن لم تتعرض لعوامل التشذيب والتهذيب لمواءمة الظروف والخصائص المجتمعية فإنها لن يكون لها وجودها وهذا ما حصل مع أفكار كثيرة من هذا النوع، الكل يتوق إلى الحرية، ولكن في المجتمع العربي القائم على غلبة الرباط العائلي لا يمكن أن يكون للحرية الجنسية أو حرية الفرد في الانعتاق عن هذا المحيط -على سبيل المثال- أفقها المقبول، وبالتالي فإن من الضروري أن يتمثل الراغب في التغيير الاجتماعي أو السياسي بأفكار ذات أهداف يقتنع أفراد في المجتمع بأنها ستكون أفقا صلاحا أو إصلاحا، وعليه أن يعي أن التغيير لن يجد رواجاً في المجتمعات الثابتة، حيث تكورت منظومات حول مصالحها مما يهدد أي شكل من أشكال التغيير هذه المصالح والمنافع المتحققة”.

وعن تعامل المثقف الكويتي – سواء كان بدون أو خلافه – مع ملف البدون الشائك يحدّثنا ضيفنا قائلاً “لا نزال نكتب. يحدونا أمل أن نكون نبت خيزران يغوص طويلاً في القاع ليرسخ جذوره ثم يقفز فجأة إلى الأعلى مشكلاً غابات من الظل، نكتب معاناة وجود.. معاناة تنقل.. معاناة كسب.. معاناة معاملة تنظر إليك على أنك متهم بجريمة لا تعرف كنهها حتى وإن ثبتت براءتك فأنت على الهامش.. البعض ينظر إليك على أنك قذى في عينيه. يفركهما لعلك تسقط ورغم ذلك فنحن باقون هنا”.

وفي سؤال ختامي عن رأيه في انقسامات المثقفين الكويتيين بعد الربيع العربي، لا سيما في تلك الملفات الإقليمية الساخنة التي جعلتهم بين مطرقة الأيديولوجيا وسندان الطائفة، يجيب الشمري “لا أظن أن الفزعة -أياً كان اتجاهها- قد خمدت طوال تاريخ العالم العربي، هناك فزعة قبلية وعائلية وطائفية ومناطقية، وهي ولاءات بديلة تكونت بفعل عدم رغبة السلطات الحاكمة في دولنا بتذويب الفوارق والتمايز بين أبناء المجتمع وتفعيل سيادة القانون لأن من شأن ذلك الإطاحة بنفوذ النخب المسيطرة على سدة القرار السياسي والاقتصادي، وطالما ظل الفرد العربي محكوماً بهاجس أن القانون لا يطبق إلا بانتقائية فإن هذه النزعات مستمرة، وطالما ظلت النزعة الاستبدادية في الفرد العربي وليس الحاكم موجودة فإن هذه الولاءات ستظل وتكبر وستؤدي حتماً إلى تشرذم وتشظ مدمرين في الإقليم العربي بأكمله”.

:: اقرأ أيضاً

:: اختيارات المحرر