الثلاثاء 25 يوليو/تموز 2017، العدد: 10702

الثلاثاء 25 يوليو/تموز 2017، العدد: 10702

لوحات حسان صمد تختصر حصاد الفساد بلبنان

  • قدّم الفنان التشكيلي حسّان صمد في صالة “أرت سبيس” البيروتية مجموعة من اللوحات مشغولة بالألوان الزيتية على القماش وعلى مسطحات خشبية، لوحات تنبض بالحياة، ليس فقط بسبب المواضيع التي تطرحها، بل أيضا لأنها مشغولة بالألوان الزيتية، التي لم تضاهها حتى الآن مواد تلوينية أخرى في التعبير، وإن استغرق معظم الفنانين المعاصرين في استعمال الألوان الأكريليكية على اعتبار أنها تحمل “نكهة العصر”.

العرب ميموزا العراوي [نُشر في 2016/05/27، العدد: 10288، ص(17)]

لوحات سينمائية بألوان زيتية

بيروت - الفساد والتلوث البيئي وانهيار النظم الأخلاقية وغياب حس المسؤولية تجاه الأرض/المستضيفة لحضور الإنسان المؤقّت، وتجاه الآخرين الذين يعيش بينهم أو يشاهدهم على شاشات التلفزيون يحترقون ويتألمون، هذا باختصار ما تعصف به الألوان الزيتية التي وضعها الفنان حسان صمد على لوحاته المعروضة حاليا في صالة “أرت سبيس” ببيروت، لتحرّك الساكن وتشير إلى أماكن جغرافية في لبنان، تكاد تختصر في بصريتها الحال التي وصل إليها البلد.

لوحة الفنان تقول “لا أثق بالألوان الأكريليكية التي تصنع بُعدا ولو بسيطا ما بيني وبين المشاهد، اصْغِ أيها المُشاهد إلى ما تفجّره الألوان الزيتية من حقائق قد لا تقوى على احتمالها، لأن الفنان حشدها وكثّفها ليعبر من خلالها عن لحظة ما قبل نقطة الصفر”.

شعرية حارقة

يُطلق الفنان على معرضه هذا عنوان “في اليوم الثامن”، ربما يُلمّح هذا العنوان الذكي إلى التعبير الإنجيلي “وفي اليوم السابع استراح”، اليوم الثامن هو إذا ما صنع الإنسان: دمار وتلوث وقتل.

حوادث تلت ولادة الكون مباشرة وتعاظمت عبر السنين، قد يعتبر البعض أن نظرة الفنان هي نظرة سوداوية، ولكن هذه الرؤية تتطابق مع ما يحدث فعلا على الأرض، أرض لبنان أولا، وأرض العالم أيضا الذي لا يخلو بدوره من نشاز وأوبئة، وقد بات الأمر اعتياديا.

النجوم التي تعج في سماء لوحات صمد تضع المشاهد وجها لوجه مع التناقض السافر ما بين روعة الكون ودناءة الأفعال البشرية

نظرة الفنان لا تبالغ في وصف ما رأت ولا تفترض ما لم يحدث، وكل من يعشْ في لبنان يعرفْ ذلك جيدا، أكثر اللوحات التي تتميز بواقعية فجّة هي تلك التي تحمل هذه العناوين: “نصف ضوء” و”الجبل” و”الرمادي” و”كل شيء لي”، كل تلك المعاني ثقيلة الوزن وضعها الفنان في لوحته في شعرية حارقة، لا بد إلاّ أن تنفذ إلى عقل وقلب المشاهد على السواء بخفّة غرائبية.

قدمت صالة “أرت سبيس” الفنان ومعرضه هذا بهذه الكلمات “تنطلق تجربة الفنان من مبدأ علاقته بمشهدية المكان، وبالطبيعة اللبنانية بشكل أكثر تحديدا، حيث أمضى فترة طفولته وبعض مراحل مراهقته في قرى وأرياف الشمال اللبناني، يراقب التغيرات المتراكمة التي تفرزها العوامل الثقافية والاجتماعية وتأثيرها المباشر على البيئة الريفية، مُسلطا الضوء على أحد الجوانب المُظلمة من واقع المنظر الطبيعي اللبناني بشكل عام”.

أما المقصود بالجوانب المظلمة فما هو إلاّ أزمة النفايات المستشرية في بيروت، والتي لم يوجد لها حل جذري حتى الآن، والمفارقة أن الفنان قد اشتغل على لوحاته تلك قبيل استفحال الأزمة.

طعّم لوحاته هذه، التي تصوّر تلالا لنفايات قيد الإحراق أو تأججا لنار تحت رمادها، بلوحات أخرى يتناول فيها أزمة التلوث البيئي بشكل عام الذي شارك فيه الأفراد بتلويث شواطئ البحر وقطع الأشجار.

الفظاعة التي ظهّرها حسان صمد بتعبيرية مؤثرة وتقنية عالية النبرة، جاءت مرصعة بدلائل وإشارات ورموز زرعها الفنان في مكامن اللوحة، لكي تأخذ المُشاهد المأخوذ بجمالية اللوحة إلى ما هو أبعد من المشهد المرسوم.

يوم واحد جيد

رسم البقرة التي ترعى في “حقول” الملوثات، وتلك التي “تهاوت” بين النفايات غير مُكترثة بما يحدث من حولها، بالقرب منها بضع أغراض مهملة، أهمها علبة معدنية فارغة باستطاعة زائر المعرض أن يقرأ عليها ماركة “البقرة الذهبية”.

المقصود بالجوانب المظلمة في لوحات الفنان أزمة النفايات المستشرية في بيروت، والتي لم يوجد لها حل جذري حتى الآن

اللوحات التي تحمل هذه العناوين: “مسار واضح”، و”القطيع” و”ليل بكامل نجومه” تذكر بشكل عظيم ببعض المقاطع من فيلم “أحلام” للمخرج الياباني الشهير أكيرا كوراساوا، الذي قال إنه صور في هذا الفيلم أحلاما شاهدها في منامات متفرقة.

في تلك المقاطع السينمائية يصور المخرج نتائج التلوث النووي والحروب وكأنه يرسم لوحات تشكيلية/وحشية وضاغطة، لوحات سينمائية يسير فيها الإنسان “شبه الأخير”، وكأنه يهيم سقما في جغرافيا أعماله الخاصة ومتاهات أحلامه الشخصية التي هي في الأصل كوابيس مقنّعة بغروره وأطماعه.

النجوم التي تعجّ في سماء لوحات الفنان حسّان صمد تضاعف من سحرية اللوحات، وتضع المشاهد وجها لوجه مع التناقض السافر ما بين روعة الكون ودناءة الأفعال البشرية، وهذا أمر نستشعره أيضا في فيلم أكيرا كوراساوا، أما الفرق فربما يكمن في أن لوحات حسان صمد بالرغم من الفظاعات التي تصورها تمتلك في معظمها شراسة شعرية، إن صح التعبير تجعلك تود لو تنظر إليها طويلاً، أما فيلم المخرج الياباني فلا نعلم إن كان بإمكان أي مشاهد رؤيته أكثر من مرة من دون أن يغوص في كآبة لا حدود لها.

نجمة المعرض بلا منافس هي لوحة تحمل عنوان “يوم واحد جيد”، وهي لوحة بمقياس كبير (198/207 سم) تشمخ وسطها شجرة زيتون عملاقة، قربها آثار دخان ناتج عن حريق افتعله “فاعل خير” ما، بالرغم من ذلك، وبالرغم من بقايا نفايات مهترئة منتشرة هنا وهناك من حولها، يشع من اللوحة سكون عجائبي يخطف الناظر إليها، فلا يريد إلاّ البقاء أمامها طويلا.. طويلا.

:: اقرأ أيضاً

:: اختيارات المحرر