الاثنين 27 مارس/اذار 2017، العدد: 10584

الاثنين 27 مارس/اذار 2017، العدد: 10584

التطرف الديني.. حذر في التفسير تمليه قرون من التعقيدات

  • التطرف الديني ظاهرة شديدة التعقيد والالتباس، وليس من الحكمة تبسيطها وتسطيحها في قراءة أحاديّة، تزعم الفهم والإحاطة اللذين يشكّلان بدورهما مفتاحا لطرق التصدّي والمعالجة. استحالة قراءة ظاهرة التطرف بمعزل عن السياقات التاريخية والبنية الفكرية التي أنتجت التفسيرات الدينية وارتباطها بالسلطة والشأن السياسي، مسألة يقرّها كل من يقترب بجديّة وعمق إلى مفهوم التطرّف في الإسلام.

العرب إدريس الكنبوري [نُشر في 2016/05/27، العدد: 10288، ص(13)]

السياسة حاضرة في تفسيرات النص القرآني

ليس من عادتنا ولا دأبنا إرجاع ظاهرة التطرف الديني إلى بعد وحيد لا يفارقها، أو التعجّل في رد كل الظاهرة إلى تفسير أحادي على نحو ما يفعل عدد من الباحثين الذين يستبدلون بالأحكام السريعة مهمةَ التفكير المتأنّي، فتعقيدات ظاهرة العنف الديني تجعل التعامل معها عسيرا، وما يشهد على هذا التعقيد كمّ الدراسات والأبحاث التي تصدر باستمرار عن مراكز فكر غربية تحظى بتمويلات ضخمة وفرق بحث كبيرة، يحاول كل منها أن يقدم مقاربات مختلفة للظاهرة، يوجد بينها أحيانا الكثير من التضارب والتباين في المقدمات والاستنتاجات النظرية.

وفي محاولة لإيجاد صيغة معرفية لفهم هذه الظاهرة في الوسط الديني الإسلامي، طالما أنّ العنف الديني اليوم صار مرتبطا بالإسلام أكثر من غيره، فإننا نقترح مفهوم “الوساطة الثقافية” كمفهوم إجرائي لفهم عملية الانحراف التي حصلت في الفكر الإسلامي المعاصر، بيد أننا ـ في هذا المقال القصيرـ لا نزعم أن هذا المفهوم يفسر الظاهرة برمتها، ولذلك نعتبره صيغة معرفية، لكونه مرتبطا بموضوع إنتاج المعرفة الدينية لدى التيارات الإسلامية المتشددة اليوم، وبآليات التفكير في النص الديني، مع الأخذ بعين الاعتبار أنّ ظاهرة العنف الديني ليست ناتجة عن منظومة فكرية معيّنة معزولة عن سياقاتها فحسب، بل لا بد أن تتوفر لها السياقات السياسية والاجتماعية، المحلية والدولية، لكي تصبح منظومة قابلة لإنتاج العنف من داخلها، ولذلك فإن هذه الصيغة المعرفية التي نقترحها غير معنية بتلك السياقات، بقدر ما تنصبّ على المنظومة في تشكيلاتها.

منذ نشأة الفرق الدينية في الإسلام المبكر نشأ التعصب السياسي للفرقة الدينية، إذ أصبحت الملل والنحل ـ بتعبير ابن حزم ـ تيارات دينية كلامية متطاحنة في ما بينها حول قضايا العقيدة الجديدة، وقد أخذ الصراع في المرحلة الأولى طابع الجدل الكلامي المجرّد، على غرار الجدل الذي صاحب الفلسفة اليونانية، لكنه سرعان ما اتخذ الطابع السياسي مع ولادة الخصومة السياسية حول الحكم والسلطة، بحيث أصبحت الاختلافات الكلامية انعكاسا لاختلاف الولاءات السياسية.

الطبيعية الخاصة للإسلام، بوصفه دينا يتضمن أفكارا متفرقة حول سياسة الدنيا، شكلت أرضية مناسبة لتفجّر الصراع حول النص ذاته، بحيث أصبحت عملية الذهاب والإياب بين النص والسلطة عملية مستمرة ودائمة، فصاحب السلطة ينتصر للتفسير الذي يبرر له الإبقاء عليها، والخارج عنها ينتصر للتفسير الذي يبرر له الوصول إليها.

طيلة القرون الماضية تنامت تلك الفرق الدينية وصار لها أتباع، وتمكن بعضها من تأسيس أنظمة سياسية للحكم عملت على نشر مبادئ فرقتها، بالقوة أو اللين.

وإذا كان الفكر الإسلامي قد تطور في نصيب منه بعيدا عن هذه الفرق والتيارات الدينية ـ السياسية، إلا أن هناك جزءا منه خضع بالإكراه على الانتماء إلى تلك التيارات، وتلوّن بلونها، ثم تراكم بعضه فوق بعض خلال القرون التالية عن طريق التلاميذ والأتباع الذين عكفوا على إعادة قراءة فكر المشايخ المؤسسين وتأويله من جديد بحسب الفترات التاريخية والسياقات السياسية، حتى صار الدين يؤخذ بشكل روتيني من تلك المشارب الفكرية المتراكمة، التي كانت صدى لظروفها، واختفت المنابع الأولى للإسلام خلف تلك الأصداء التي كانت تُرجع أصوات واقعها، فلم يعد الحديث يدور عن تلك المنابع بقدر ما يدور حول المتقدمين والمتأخرين من الفرقة أو المذهب، إذ يقال مثلا الأشاعرة المتقدمون والأشعرية المتأخرة، وقس على ذلك المذاهب والفرق الأخرى.

الطبيعة الخاصة للإسلام، بوصفه دينا يتضمن أفكارا حول سياسة الدنيا، شكلت أرضية مناسبة لتفجر الصراع حول النص

إن المهمّة التي حاول رواد الإصلاح الديني في العالم العربي النهوض لها، خلال بداية القرن الماضي، هي تحديدا تجاوز نزعة التمذهب الفاقع والرجوع إلى الأصول، وعدم الاعتراف بشرعية الوساطة في قراءة النصوص الدينية. وقد سعى محمد عبده إلى تخليص علم الكلام من تبعة السابقين وصراعاتهم المحمومة حول مختلف المسائل العقدية، وذلك في كتابه “رسالة التوحيد”، وأرسى منهجا يقطع مع ثقافة الماضي، بحيث جعل الاجتهاد العقلي مناط تحصيل الخبرة الإسلامية الجديدة، في السياسة والاجتماع، ومن ثمة أقرّ الاعتراف بالفلسفة التي كان علماء الكلام الأولون يعتبرونها بدعة، لأن المثال الذي كان أمامهم هو الفلسفة اليونانية، وهو الأمر الذي حاول مصلحون آخرون، أمثال عبدالرحمن الكواكبي، الذي نظر ضد الاستبداد باسم الدين، وانتقد التبعية للشيوخ وهاجم التقليد.

والواقع أن تلك المهمة التي نهض لها هؤلاء المصلحون هي نفسها التي قام بها فلاسفة الأنوار في أوروبا منذ القرن السادس عشر، وهي تحطيم صنم “الوساطة الثقافية”، وقد كانت أبرز محاور الصراع بين البروتستانتية ـ التي ظهرت آنذاك كبدعة دينية مرفوضة ـ وبين الكاثوليكية، وهي رفض وساطة رجال الدين والتمرد على تراث الكنيسة التفسيري للنصوص الدينية الواردة في الإنجيل، ولذلك رفع لوثر شعارين اثنين هما “الله وحده”، و”الكتب المقدسة وحدها”، الأول في وجه الكنيسة كمؤسسة لنفي دورها كوسيط بين الله وعبده، والثاني في وجه الشارحين، وذلك لنفي وصايتهم على الشخص المسيحي في فهم النصوص من منابعها.

ومنذ ظهور الجماعات الدينية ذات اللون السياسي في العالم العربي، وقضية الوساطة الثقافية مطروحة بحدة، ذلك أن الدور الرئيسي الذي تريد أن تقوم به هو ربط الفرد بفهم الزعيم أو الشيخ، والدوران حول الأدبيات التي ينتجها التنظيم، واعتبار هذا الأخير وسيطا بين الفرد وبين الإسلام، بيد أنّه إذا كانت المضامين السياسية في كتب أصحاب التيارات الكلامية والفقهاء الأولين قليلة النسبة، قياسا إلى المضامين المتعلقة بالاعتقادات والمعاملات الاجتماعية، بحيث أننا لا نجد سوى فصول صغيرة في تلك الكتب عن مبحث الإمامة على سبيل المثال، فإنّ الأمر انقلب في العصر الحديث مع نشأة التيارات الدينية السياسية، التي نشأت على إثر انهيار الخلافة العثمانية وولادة الدولة الوطنية في العالم العربي، فقد أصبحت المباحث السياسية هي الغالبة على مؤلفات هذه المرحلة.

ولذلك فإنّ محاربة التطرف لا تنفصل عن محاربة الوساطة الثقافية، بعزل النص الديني عن فهم الجماعات المتشددة، وتخليص النصوص الدينية من الشروحات المتعسّفة التي لوت أعناقها بما يؤدّي إلى توظيفها في المعترك السياسي، سواء مع المجتمع من ناحية أو مع الفرق الأخرى المخالفة من ناحية ثانية، ممّا جعلها شروحات ناتجة عن الصدام.

:: اقرأ أيضاً

:: اختيارات المحرر