الاحد 30 ابريل/نيسان 2017، العدد: 10618

الاحد 30 ابريل/نيسان 2017، العدد: 10618

رسائل 'السلام والصداقة' الإيرانية

المناورات الإيرانية ليست سوى رسائل تهديد صريحة لدول الجوار العربية، فالجميع بات يدرك حقيقة نوايا إيران وأطماعها التوسعية، التي كانت تستهدف إحكام طوق السيطرة الاستراتيجي الطائفي على دول مجلس التعاون عبر وكلائها.

العرب سالم الكتبي [نُشر في 2016/05/28، العدد: 10289، ص(8)]

إيران هي الدولة الوحيدة في العالم التي تقوم بإجراء مناورات عسكرية مستمرة طيلة العام وفق توقيتات محسوبة بدقة، وتعلن أنها “رسالة سلام وصداقة لدول الجوار”، وأحدث تلك المناورات جرت بالأمس القريب، حيث انطلقت مناورات “بيت المقدس 28” في منطقة “كاشان” وسط إيران، وتستهدف، بحسب البيان الرسمي الإيراني، “إطلاق صواريخ من طراز نازعات وفجر 5 وترمي إلى استعراض قوة وطاقات الوحدات التابعة للقوة البرية في الجيش الإيراني”، واعتبر العميد أحمد رضا بوردستان، قائد القوة البرية في الجيش الإيراني، أن رسالة المناورات تتمثل بـ“السلام والأمن للبلدان الصديقة والجوار والرد الحازم والشديد على أعداء الجمهورية الإسلامية الإيرانية”.

رغم كثافة عدد المناورات التي تجريها إيران سنويا وتنوعها بشكل لافت، ما يجعل الجيش وقوات الحرس الثوري الإيراني في حالة استنفار قتالي مستمرة، إلا أنه لا يمكن مطالبة طهران بالكف تماما عن إجراء التدريبات والمناورات، باعتبار ذلك حقا من حقوق السيادة والتزاما من جانب دول مجلس التعاون الخليجي بسياسة خارجية قائمة على عدم التدخل في شؤون الدول الأخرى، ولكن عندما تتمسك إيران بالإعلان وبشكل مستمر عن أن هذه المناورات هي رسائل صداقة وسلام، فإن هذا الإعلان يثير السخرية ويطرح تساؤلات بديهية مشروعة: أي سلام يمكن أن تحمله تجارب صاروخية لصواريخ هجومية وليست دفاعية الطابع؟

الأسلحة في الجيوش كافة لها طابع هجومي أو دفاعي، بل إن العقائد العسكرية ذاتها ترتكز على استراتيجيات هجومية أو دفاعية، ومن هنا يمكن فهم دوافع المناورات والتدريبات، فكل جيوش دول العالم تمتلك خططا وبرامج دورية للمناورات والتدريبات العسكرية الفردية أو المشتركة، وهذا لا غبار عليه، ولكن تبقى إيران ضمن الأنظمة المؤدلجة التي تدمن المناورات بشكل مبالغ فيه، وتتخذها وسيلة لإشاعة أجواء الخوف والاضطراب في محيطها الاستراتيجي، باعتبار ذلك هدفا بحد ذاته، فالنظام الإيراني هو نظام تعبوي قائم على عسكرة المجتمع، وهو ما ينعكس في تعددية المؤسسات والأجهزة التي تمتلك القوة الخشنة في البلاد، ومنها الجيش والحرس الثوري وميليشيات “الباسيج” التي تندرج تحت إمرة الحرس الثوري الذي يتبع مباشرة المرشد الأعلى الإيراني، ولكل من هذه القوات والميليشيات ترسانات من الأسلحة الخاصة بها والمناورات السنوية التي تجريها، بما يعكس تركيزا هائلا على مبدأ العسكرة واستخدام السلاح والقوة الخشنة، بدرجة تجعل من الصعب على أي مراقب الاقتناع بفكرة رسائل السلام والصداقة التي تحاول طهران إيهام جيرانها وخداعهم بها.

هل يمكن أن تصدق دول مجلس التعاون سلمية المناورات الإيرانية وطيب مقاصدها، في وقت يعلن فيه القادة الإيرانيون أن بعض هذه المناورات يستهدف التدريب على إغلاق مضيق هرمز، شريان الحياة الاقتصادي لدول الجوار الإيراني؟

ومن المعروف أن المناورات والتدريبات العسكرية لـدى أي جيوش أو أحلاف عسكرية بشكل عام تنطوي على رسائل لأطراف بعينها، وقد تكون هذه الرسائل للردع أو التحذير أو التخويف عبر استعراض القوة والهيبة والقدرات العسكرية، ولكن القول إنها “رسالة صداقة” ليس سوى نوع من العبث والسخرية اللاذعة التي لا تتناسب، بالمرة، مع التصريحات والتهديدات الصريحة التي لا تكف ألسنة الملالي عن توجيهها إلى دول الجوار يوما واحدا.

عندما تجري إيران مناورات عقب اجتماعات قمة يعقدها قادة مجلس التعاون الخليجي، يخرج البعض من مسؤولي طهران للادعاء بأنه لا توجد علاقة تربط بين الحدثين، وأن المناورات كانت مبرمجة وغيرها من هذه الأكاذيب والمزاعم التي لا تغيب عن فطنة عاقل راشد، إذ أن الرسالة التي تحملها مثل هذه المناورات هي رسالة تهديد ووعيد، لا سيما أن هذه المناورات “المبرمجة” لا تجري سوى بعد لقاءات تخرج بقرارات وبيانات تتصادم مع مواقف إيران حيال مختلف القضايا الإقليمية والدولية.

تتلاعب إيران أيضا بالألفاظ في بياناتها حول المناورات وتزعم أنها رسائل سلام للأصدقاء وتحذير للأعداء، وهذا كلام يحتاج في حد ذاته إلى مرفق توضيحي لتفسيره وإزالة طلاسمه، فالمراد بالأصدقاء بالنسبة إلى إيران هم وكلاؤها وأتباعها والشيعة في المنطقة بشكل عام، وأما أولئك الباقون فيندرجون ضمن الأعداء، بحسب تحليل الرؤية والتصور الاستراتيجي الإيراني.

وإذا كان المعنى في باطن الشاعر كما يقال، فليست هناك دولة يمكن تصنيفها ضمن مربع العداء مع إيران وفقا للخطاب السياسي الإيراني الرسمي أكثر من إسرائيل، ولكن الواقع يكذب، بل ينسف هذه الفرضية من جذورهـا، فإسرائيل لا تشعر بأي خطر حقيقي أو جاد من ناحية إيران، وكل مـا يحدث من جانب تل أبيب هو توظيف سياسي إسرائيلي للضجيج والتصريحات الإيرانية الفـارغة، بغاية جذب المزيد من الدعم العسكري الأميركي، وضمان استمرار فكرة التفوق العسكري الإسرائيلي إقليميا.

هل يمكن أن تصدق دول مجلس التعاون سلمية المناورات الإيرانية وطيب مقاصدها، في وقت يعلن فيه القادة الإيرانيون رسميا أن بعض هذه المناورات يستهدف التدريب على إغلاق مضيق هرمز، الذي يمثل شريان الحياة الاقتصادي لدول الجوار الإيراني؟

ثم أي رسائل صداقة قد ينطوي عليها إغلاق هذا المضيق بما يخالف القوانين والقواعد القانونية الخاصة بالممرات المائية الدولية؟ وهل تصدق دول مجلس التعاون الخليجي حسن نوايا إيران وهي تقوم بتدريبات على أسلحة هجومية الطابع وليست لأغراض دفاعية بحتة؟

وفوق هذا وذاك، أي نوايا طيبة يمكن أن تحملها مناورات تجريها دولة لا تكف عن التدخل في الشؤون الداخلية لبعض دول مجلس التعاون، وتحاول إثارة القلاقل والاضطرابات داخل هذه الدول مرة تلو الأخرى؟

هناك مزاعم يرددها بعض أتباع إيران وأبواقها ووكلائها الإقليميين، مفادهـا أن قوة إيران قوة مضافة للمنطقة، وأن وجود دولة قويـة يحمي مصالح شعوب دول المنطقـة ويحمي استقـلالها ويحول دون تدخل القوى الكبرى فيهـا، وهذا كلام خال من الصحة والمنطقية، فأكثر دولة تثير البلابل والاضطرابات في دول المنطقة هي إيران، وهناك أدلة وبراهين كثيرة في اليمن والعراق وسوريا ولبنان وغيرها، فكيف ينطلي هذا المنطق الساذج ويغطي على الواقع التوسعي المشبوه للدور الإيراني الإقليمي؟

الحقيقة أن المناورات الإيرانية في مجملها ليست سوى رسائل تهديد صريحة لدول الجوار العربية، فالجميع بات يدرك حقيقة نوايا إيران وأطماعها التوسعية التي كانت تستهدف إحكام طوق السيطرة الاستراتيجي الطائفي على دول مجلس التعاون عبر وكلائها الحوثيين في اليمن، وصولا إلى وكلائها من “حزب الله” في لبنان شمالا.

باحث وكاتب في القضايا السياسية - الإمارات العربية المتحدة

سالم الكتبي

:: مقالات أخرى لـ سالم الكتبي

سالم الكتبي

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر