الجمعة 28 يوليو/تموز 2017، العدد: 10705

الجمعة 28 يوليو/تموز 2017، العدد: 10705

صديقات التواصل الاجتماعي المفقود

الدراسات في مجالات علم النفس السلوكي وتطبيقاتها على وسائل التواصل الاجتماعي الحديثة أنتجت حقيقة مؤثرة تتعلق بتغير عادات وسلوكيات الأفراد ووقوع تشوهات أخرى في السلوك من جراء وسائل التواصل الاجتماعي.

العرب طاهر علوان [نُشر في 2016/05/31، العدد: 10292، ص(18)]

الكل معجَب بالكل، الإعجاب صار علامة فارقة في علاقات جيل التواصل الاجتماعي المعجب ببعضه البعض. هذه المساحة من الاهتمام بالآخر أنتجت سلوكا فرديا وجماعيا قائما على تتبع أفعال الشخص المقابل لغرض الإعجاب بها، وأما أولئك الذين لا يرتوون من هذا الإعجاب فإنهم يجدون العديد من الأسباب لكي يتسلموا مشاعر إعجاب جديدة ترضي الذات.

أما النرجسيون والنرجسيات فهذا هو يومهم وذاك هو فضاؤهم المفضل، إعجاب يفتقدونه في الحياة اليومية فيجدون ضالتهم في الحياة الافتراضية، هناك حيث (لايكات) مجانية تمطر عليهم بلا نهاية.

وأنت تشاهد ذلك تشعر أن الدنيا في خير عميم لما وصلت إليه علاقات الناس في ما بينهم من الود والتفاعل الإنساني والاهتمام المتبادل. في الوقت نفسه هنالك وجود أنثوي ملحوظ وسط هذه المساحة التواصلية – التفاعلية، بل إن وجود الأنثى المعجبة بنفسها أو التي يعجب بها الآخرون صار حقيقة أساسية على صفحات التواصل الاجتماعي.

أنتج ذلك نوعا من الفجاجة والسطحية والمجانية في الإعجابات المتدفقة بلا قيد ولا شرط، مجرد إطراء زائف ومنافق أحيانا يتدفق على صديقات التواصل الاجتماعي مما يخلق تطمينا للذات الحالمة ونوعا من الرضا بالذات والسعادة بوجود ذلك العالم الافتراضي السخي بالعاطفة.

العاطفة المجدبة صارت علامة فارقة لحياة تتصحر فيها العلاقات الإنسانية السوية حيث تشيع الأنانية ونزعة الاستغلال ولهذا صار البديل ذلك الفضاء الافتراضي الذي يعيد فيه الناس العلاقات الجميلة ويرممون تلك الحياة المهشمة في الخارج.

ثم إن هذا التواصل الاجتماعي شجع بالتدريج على الانكفاء على الذات وعاشت الشخصيات فصاما غريبا، فمن جهة تكون الأفعال فردية وأكثر ذاتية، ومن جهة أخرى يوفر الإعجاب المتبادل وغابة “اللايكات” سلوكا تشاركيا وجماعيا بعيدا عن الانطوائية والانغلاق.

الدراسات في مجالات علم النفس السلوكي وتطبيقاتها على وسائل التواصل الاجتماعي الحديثة أنتجت حقيقة مؤثرة تتعلق بتغير عادات وسلوكيات الأفراد ووقوع تشوهات أخرى في السلوك من جراء وسائل التواصل الاجتماعي وفي نفس الوقت أنعشت ظاهرة إزاحة الأغطية عن الذات وصولا إلى المشاركة والحميمية الشديدة حتى لا يبقى شيء مخفي في سلوك الشخصيات وحياتها الخاصة وعلاقاتها.

الفتيات الجميلات المتحلقات حول بعضهن ويحلمن بتطور هذا الفضاء الاجتماعي إلى حياة حقيقية تواصلية تنبض بالحياة لكنهن وهن يبحثن عن تلك المشاعر المخملية والإنسانية في الحياة الحقيقية لن يلتمسن منها سوى جدب إنساني وتواصل اجتماعي مفقود، وهذا من العلامات الأساسية التي تميز عالمنا اليوم حيث أن وسائل التواصل الاجتماعي تحاول ردم تلك الفجوة بين الواقع البائس والمتردي وبين الواقع الافتراضي الذي من علاماته المميزة وسائل التواصل الاجتماعي.

كاتب عراقي

طاهر علوان

:: مقالات أخرى لـ طاهر علوان

طاهر علوان

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر