الثلاثاء 17 يناير/كانون الثاني 2017، العدد: 10515

الثلاثاء 17 يناير/كانون الثاني 2017، العدد: 10515

حسن القرني: الشعر لا يصنع الأسطورة بل يجعلها ممكنة

  • رغم هيمنة قصيدة النثر في المشهد الشعري العربي بشكل عام إلا أنه ما زالت هنالك أصوات شعرية نذرت نفسها للإيقاع، مشتغلة على نصها بوجه حداثي مختلف. لهذا استطاعت أن توازن في نصها بين تقليدية الشكل وحداثة المضمون المتكئ على وعيها الخاص بسؤال الشعر نفسه. “العرب” التقت الشاعر السعودي حسن القرني حول تجربته وحول بعض القضايا الثقافية الأخرى.

العرب زكي الصدير [نُشر في 2016/06/01، العدد: 10293، ص(15)]

الشاعر لاعب سيرك

أصدر الشاعر السعودي حسن القرني مؤخرا مجموعتين شعريتين؛ الأولى بداية العام الجاري، حملت عنوان “إنه لاهث تحت هذي الخيوط” عن دار الانتشار ببيروت بالتعاون مع نادي أبها الأدبي، والثانية “ولم يبق من خيبة في الزجاجة” الصادرة عن أكاديمية الشعر في أبو ظبي خلال شهر أبريل الماضي. وتأتي هاتان المجموعتان بعد مجموعته “ما لم أقل” عن دار إفريقية للنشر بتونس 2012.

يحدثنا القرني عن مجموعتيه الأخيرتين قائلا “كنت قد تقدمت بمخطوط لذات الجهة لطباعته، وتم رفضه بحجج أني لست بحاجة إلى التصريح بها أو إزعاج القارئ بسردها، وحينئذ قمت بفرز النصوص في ذلك المخطوط المغضوب عليه، وجعلتها في مخطوطين، أحدهما ‘إنه لاهث’ دفعت به إلى أحبتي في نادي أبها الأدبي، والآخر ‘ولم يبق من خيبة في الزجاجة’ بعثته إلى أكاديمية الشعر في أبوظبي بعد أن قلّمت أظافره ـ إلى حد ما- وسيرى النور في معرض أبوظبي للكتاب قريبا. ثم أضفت إلى اللاهث هذا، عددا من النصوص الجديدة، وآمل أن يلقى قبولا من الجميع، أما أنا فلن أقبل ولن أرضى عن شيء”.

الأسطورة ممكنة

من الواضح أن مجموعة “إنه لاهث تحت هذي الخيوط” كتبت في فترة زمنية طويلة، أو أنها خضعت لعدة أمزجة شعرية مختلفة، فبعض القصائد غلبت عليها الغنائية التي تكشف اللغة على حساب الشعر، بينما نجد القرني في قصائد أخرى محلقا في نصوص موغلة في الفنية إلى درجة أن الغنائية لم تحضر إلا كجسد عار غطّته باللغة.

مجموعة خلطت بين القديم جدا والنصوص الأكثر نضجا

يقول القرني متفقا معنا إلى حدّ كبير “النصوص التي ضمنتها الديوان تمثل مرحلة جديدة في مفهوم الشعر لدي، لنقل إنها تلك التي كتبت في السنوات الخمس الأخيرة، وقد حوى نصوصا كنت قد نشرتها في ديواني السابق ‘ما لم أقل’ عن دار إفريقية للنشر، ولكنها لم تأخذ نصيبها من القراءة، لأنني لم أرض عن ذلك الديوان، فقد خلطت فيه القديم جدا ـ الذي يمثل مرحلة البدايات ـ بالنصوص الأكثر نضجا، ممّا جعلني أعيد نشر بعضها في ديواني ‘إنه لاهث تحت هذي الخيوط’ وهي عدد قليل. أما الفرز الفني فيعود بالدرجة الأولى إلى مستوى ذائقة القارئ، والغنائية والشعر يطغى أحدهما على الآخر أو يسيران معا جنبا إلى جنب حسب حالات الشاعر المختلفة. وأعترف أن اللغة والموسيقى يفرضان أو يفرض أحدهما على الآخر شخصيته، والشاعر بينهما لاعب سيرك يسير على خيط دقيق وفي يديه عصا ثقيلة بما يكفي ليتأرجح طوال وقت العرض”.

يرى ضيفنا القرني أن الفنون لا تتجه إلى أبعد من الإنسان في داخله، والرهان على أن تبقى مخاطبة للشارع، تحرك وجدانه باستمرار، تلفت أنظاره إلى ما لا يراه، أو تجلّي بصره ليرى بوضوح ما كان مغشيّا عنه.

يقول الشاعر “الفن يجعلك قادرا على الفرز بين الأحياء والأموات، فالمجتمعات التي يأخذ الفن فيها حيزه الطبيعي تجدها واعية حاضرة ذكية وحساسة لطيفة تجاه الأشياء من حولها. المجتمعات التي تحب الفن وتعيشه تحب الحياة بدقائقها وتفاصيلها، تحب المرأة والوردة، تعشق البحر والنهر، تبكي لمقطوعة غنائية ولصغير البجع الذي فقد والدته. أما القلب الخالي من الفن فهو خال من المحبة، متعطش للفتك والتسلّط والطيش، والشعر فن، ينسحب عليه كل ما ذكرته آنفا، ولكنه لا يصنع الأسطورة، بل يجعلها ممكنة”.

وفي سؤال عن زمن الصحوة الدينية في السعودية التي شكّلت ارتدادا للحداثة ومعطياتها، حيث حوربت بواكيرها من خلال منابر دينية واجتماعية، وكيف يرى امتداد خطاب الصحوة في زمننا هذا، يلفت القرني إلى أن هذا السؤال يحتاج إلى استقراء وتتبع تاريخي ونقدي لحركة الشعر في السعودية، ولكن الشعر كونه نسيجا إبداعيا فشأنه شأن باقي السياقات الإبداعية، في رأيه، يتأثر بما يتأثر به غيره.

يضيف “لقد اصطدم المبدع بخطاب بائس مرعب باسم الدين فتأثر شكله وارتبكت روحه، فالخطاب الصحوي كان متوجسا من كل شيء جميل، والإبداع مادته الجمال، وفي هذه النقطة بالتحديد كان الاصطدام والارتباك، لذلك كان الشعراء منذ انطلاق ‘الصحوة’ وحتى يومنا هذا مادة تكفيرية وتفسيقية في الخطاب الصحوي السائد والمنغلق، حتى أصبح الشعر ذاته مشبوها ما خلا قصائد الإسلاميين الجهاديين الذين يرفعون راية ‘الإسلام’، وللأسف، تغلغل هذا الفكر في كل سياقات المجتمع ومن أبرزها التعليم، فنشأنا مشوّهين مؤدلجين، وأصبح المجتمع بمختلف شرائحه متوجسا خائفا من عقاب الله إذا أخذته فتنة شيء جميل، فتأثر الشعر كغيره من الفنون، وحين يتحدث شاعر سعودي شاب عن المرأة أو الموسيقى أو الفن التشكيلي فسيعكس بالتأكيد ما (تأدلج) ونشأ عليه، حتى لو زعم أنه تحرر من كل ذلك”.

وسط مأزوم

مجموعة نصوص مختارة

السؤال عن زمن الصحوة وارتداداته قادنا للحديث مع القرني عن مدى وجود قضايا مصيرية ملحة توحد المثقفين السعوديين، بحيث تشغلهم جميعا تحت مظلة واحدة، لا سيما بعد الرأي الذي يذهب إلى أن جميع المثقفين العرب بعد الربيع العربي أصبحوا يغنون منفردين دون هوية جامعة لهم.

عن هذا الشأن يعلّق القرني متشائما إلى درجة الكفر بالمشهد الثقافي كاملا، يقول “أوساط المثقفين السعوديين بيئة غير صالحة للاستخدام ‘الآدمي’، هم مجرد أفراد مأزومين ومتشبعين حد التجشؤ بعدائيات وبراغماتيات تبرأ منها الثقافة في أبسط أبجدياتها، وأنا لا أعمم على كل حال، ولكنني أخص أولئك (الخويا) الذين ابتلي بهم المشهد الثقافي السعودي، بالرغم من أنني أجد ذلك مبررا، فحين تنطلق راية الثقافة من المعبد تأتي مؤدلجة، وحين تخرج من القصر تأتي مسبوقة ومتبوعة بالحجّاب والحرس والأشناب الطويلة، وإذا حمل رايتها الأكاديميون تنتقل إليك عدوى المتن والهامش، ولكنها لو انطلقت من الشارع لحملت نبضه ولونه وهويته. لذلك تجد المثقفين الحقيقيين، يفضلون الانزواء على أن يكونوا رقما سخيفا في هذا المسخ، فعن أي هوية تتحدث بعد هذا الواقع المفزع؟”.

على مدى سنوات سابقة، اتفق معظم المثقفين السعوديين على ضرورة وجود مظلة تلملمهم وتحميهم، وذلك عبر تأسيس اتحاد للكتاب السعوديين، غير أن الأمر لاقى تحفظات كثيرة من جهات رسمية، ولم ير النور إلى الآن. ويذهب القرني إلى أن هذا الأمر غريب لأن النقابات والاتحادات –حسب تعبيره- “فعل مدني ليست للحكومات علاقة مباشرة به”.

في ختام حوارنا مع حسن القرني توقفنا معه حول قراءته للمشهد السعودي الثقافي وانقساماته في ظل احتياج الجميع إلى موقف تنويري، وبدا واضحا من ردوده أن فمه كان مليئا بالماء.

يقول القرني “المثقف لا يكون مثقفا حقيقيا إذا لم ينطلق من مبادئ وقيم الإنسان والحرية والعدالة ومناهضة الظلم في كل مكان. أما مثقفونا، فالمنبتّ لا ظهر أبقى ولا أرض قطع، ونحن على كل حال لا نستطيع تقديم رؤية صحيحة على نوعية هؤلاء المثقفين، لأن القائمين على المؤسسات الثقافية الحكومية لا يمثلون -للأسف- النموذج المثالي أو الصورة الحقيقية للمثقف السعودي، فالمثقفون الحقيقيون محبطون يائسون منزوون في منتدياتهم، وهذا منطقي لمن يعرف بيئتنا على حقيقتها”.

ويتابع القرني “المثقفون عندنا منقسمون لا من أجل القضايا أو المبادئ؛ ولكن لكل منهم مشروعه الخاص، لأننا وللأسف لا نحمل عقيدة الثقافة إلا قليل منا”.

:: اقرأ أيضاً

:: اختيارات المحرر