الخميس 19 اكتوبر/تشرين الاول 2017، العدد: 10786

الخميس 19 اكتوبر/تشرين الاول 2017، العدد: 10786

اللا نص الإبداعي

عدد كبير من مصطنعي الحداثة والتجريب الأدبي في الرهان على قارئ غير موجود وعلى ذائقة متخيلة ولحسن الحظ أن أغلب الناشرين العرب لم يتحمسوا، بحسهم التجاري المرهف، لأغلب هذه التجارب.

العرب شرف الدين ماجدولين [نُشر في 2016/06/01، العدد: 10293، ص(15)]

لا أتفاءل عادة بالتسميات الصنفية غير الواضحة، تلك التي تُجتبى لمداراة هشاشة ما، من مثل “سرد” أو”نص” أو “محكي” أو “محاولة نثرية” أو “إشراقات”،… أتوسم فيها ملعنة وخداعا للقارئ، وتضييعا لجهد الناقد، وسعيا لإدخال الأدب في مآزق الكلام المتحلل من القواعد، الذي لا مخرج منه إلا بعلل وآفات عسيرة التجاوز. أستحضر هنا، تحديدا، ذلك النقاش النقدي الذي طغى في مرحلة معينة من أواسط ثمانينات القرن الماضي في البلدان العربية عن “الأدب وتجربة الحدود”، مستلهما عنوان كتاب فيليب سوليرز الشهير، وكيف بدأت تظهر في المجلات ورفوف المكتبات كتابات شعرية ونثرية تمزج بين الأغراض والقواعد والقيم الجمالية، وتزهد في التجنيس الأدبي، مستثيرة أسئلة شكلية تكاد تنفصل بشكل كلي عن هواجس المجتمع والمشهد الثقافي على حد سواء، وسرعان ما شرع عدد كبير من مصطنعي الحداثة والتجريب الأدبي في الرهان على قارئ غير موجود وعلى ذائقة متخيلة، ولحسن الحظ أن أغلب الناشرين العرب لم يتحمسوا، بحسهم التجاري المرهف، لأغلب هذه التجارب ذات النزوع الفوضوي الظاهر.

بيد أن الزوبعة خلفت لنا واقعا كتابيا يحمل بين طياته العديد من مخلفات ذلك الهوى الهروبي، الذي يمكن اختصاره في عبارة “اللا نص الإبداعي”، بحيث يمكن للكاتب أن ينطلق من مذكراته الشخصية لتضمين اعترافات عقدية وعاطفية، تفضي إلى قصة تتضمن أحكاما نقدية وأسطرا من شعر منثور، أو أن ينساق في مناجات صوفية تطهرية تتخللها تأملات عن أعلام وكتب تسلمه لمتاهة من الحوارات المسرحية الملتبسة، أو أن يكتب ببساطة كلمات موقعة لا هي بالشعر ولا النثر.

تأكد لي هذا الانطباع، مرة أخرى، وأنا أطوي آخر صفحات كتاب “مرايا الذاكرة” للمفكر المغربي علي أومليل، الذي سماه “سردا”، بدلا من سيرة أو رواية أو مذكرات، حيث سعى إلى تخييل حياته عبر معابر فكرية وحسية تبدو ضبابية ومفككة، وتكاد لا تقول شيئا، سواء بمنطق الاستعادة أو التخييل. فباستثناء صفحات قليلة تستثمر تفاصيل من نشأة الكاتب ومغامراته ورحلاته بين ربوع المغرب في مرحلة الحماية، وانتقاله للدراسة في القاهرة، وتطويحه بين ربوع الدنيا من أسبانيا إلى ما شاء الله من بلاد العجم، فإننا لا نقف سوى على تأملات وخواطر بصدد الأندلس والتصوف وابن رشد وابن عربي وآخرين لا تفلح في إقناعنا بصدق العمل… لم يكن علي أومليل في حاجة إلى تدوينه بتسرع ظاهر بعد منجزه الفكري والثقافي العميق.

كاتب من المغرب

شرف الدين ماجدولين

:: مقالات أخرى لـ شرف الدين ماجدولين

:: اختيارات المحرر