الاحد 25 يونيو/حزيران 2017، العدد: 10674

الاحد 25 يونيو/حزيران 2017، العدد: 10674

عطش لفسحة أمل

نجد التناحر والتنابز يتصاعد يومياً مثل بخارِ قِـدْرٍ يحرّكه ساحرٌ مقتدر لئيم.. فالمنابر مفتوحة على مصاريعها لكل من حبّ وحقد.. وكل من تشفـّى أو تحسّر.

العرب ريم قيس كبّة [نُشر في 2016/06/01، العدد: 10293، ص(21)]

نتفاءل.. نتشاءم.. نتوقع.. نتوجّس.. فكلٌ منا يحمل في نفسه ما شاء من منطق أو عاطفة يتـّكئ عليها لاستقراء ما يحدث.. حتى أن المحصلة النهائية للأحداث التي نراها على الأرض قد لا تبشّر بأي وضوح في الرؤية.. ناهيك عن أن حياتنا حبلى دائماً بالمفاجآت..

ونحن الذين ابتعدنا بأجسادنا عن أرض الوطن مختارين أو مرغمين.. نحن أهل الخارج المجبولين بهموم الداخل.. نصرّ على أن نشرب كل المعلومات أولاً بأوّل لنفهم ولو بعضاً مما يدور هناك.. على الرغم من أن أهل الداخل أنفسهم أصبحوا في حيص بيص من استيعاب ما يحدث وما قد يحدث بعد حين..

لا أحد يفهم ما يجري.. نطالع نشرات الأخبار التي تبدو وكأنها حقول ألغام وقد زرعوها عبوات دسٍّ ناسفة قيد الانفجار في أي لحظة لتشعل نار الفتنة وتعمّق هوّة الشقاق.. نقلّبُ القنوات بحثاً عن وجهٍ حياديّ للحقيقة دون جدوى.. وقد تعلمنا أن الأزمات صارت كفيلة أن تجعل حتى المهنيين المحترفين صنـّاع حرب..

نلجأ الى مواقع التواصل الاجتماعيّ لعل فيها ما يبلّ رمق الملتاع عطشاً لفسحة أمل.. نجد التناحر والتنابز يتصاعد يومياً مثل بخارِ قِـدْرٍ يحرّكه ساحرٌ مقتدر لئيم.. فالمنابر مفتوحة على مصاريعها لكل من حبّ وحقد.. وكل من تشفـّى أو تحسّر.. قد نسقط في الفخ وندخل اللعبة بوعي أو بغير وعي منا.. فتموت صداقات وتنتعش أخرى لتفسد للود كل القضايا باسم اختلاف الرأي..!

وإذ نهمّ بأن نحاول العيش خارج منطقة التوتر.. نجد جذورنا تتوجّع ما إن تتحرّك قيد أنملة عن الحدود الحقيقية والمفترضة لتلك الأرض.. وما إن تحاول بوصلة اهتمامنا ألا تشير إليها عن حسن نية أو عن قرار.. فلا جدوى من إغماض الأجفان وصمّ الآذان وإسكات صيحات التوجّع أو نداءات الاستغاثة.. ولا جدوى من شغل الأفكار عن سطوة علامات السؤال.. فما يجري لهوَ أكبر بكثير من أن يحتويه تفرّج أو حياد..

الداخل منقسم والخارج منقسم والروح مقسومة بحدّ سيف الحيرة.. وكلنا نريد.. بينما يبقى الواقع يشهر سخريته مما تبدو عليه أُمنياتنا الساذجة..

نصطفي كتب التاريخ ملاذاً.. فنعيد قراءة الأحداث التي أتتْ على هذه الأرض الطيبة.. قد تلوح من بين سطور السنين وقائع تتناسخ.. فتخبرنا بما يشبه استبصار العرّافات.. بأنّ كل الشرّ سيلقى حتفه لا محالة.. فلطالما أدمنتْ أرضنا منذ أول الخليقة أن تدفن غزاتها وأن تنهض دائماً من رمادها وتعلو مثل فينيق أسطوري.. فنتنفس صعداء الأمل قليلاً حتى وإن لم تكن أعمارنا لتكفي بأن نشهد تلك النهاية السعيدة لمسلسل الرعب الطويل..

يعلمنا التاريخ أن الكثير مما كان يبدو ذات يوم مستحيلاً بعيداً عن التصور والخيال.. جاءت به الأيام ليكون حقيقة لا عجب فيها.. مثلما ابتدأت كل الحقائق العلمية وكأنها ضرب من ضروب الحلم لتصبح بعدئذ واقعاً يومياً معاشاً.. هكذا فقط يمكننا أن نتكئ على أحلامنا مهما بدت مستحيلة بعيدة المنال.. لتكون محرّكنا الأول في أن نفعل ما نستطيع من أجل تلك الأرض الحبيبة.. ولا عجب أن يكون حبنا لها هو الدافع الأهم الذي يجعلها في النهاية تنعم بحلم السلام والمحبة..

شاعرة عراقية مقيمة في لندن

ريم قيس كبّة

:: مقالات أخرى لـ ريم قيس كبّة

ريم قيس كبّة

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر