الاربعاء 22 فبراير/شباط 2017، العدد: 10551

الاربعاء 22 فبراير/شباط 2017، العدد: 10551

الحرس الثوري العراقي ومغانم الحرب

مقبلون في العراق على فرض الأمر الواقع؛ احتلال أميركي تقرره الأحداث ومزاج السياسة ومصالح البيت الأبيض، ورؤية الولايات المتحدة للشرق الأوسط الكبير وتفاهماتها مع روسيا؛ دور إيراني وتطبيق لمشروع ولاية بلاد فارس القومي بكيميائية عناصره الطائفية.

العرب حامد الكيلاني [نُشر في 2016/06/01، العدد: 10293، ص(9)]

تـ”قاسم” الكعكة أو الكيكة أو الكاتوه، أو التسميات الأخرى، ربما يكون مقبولا في وصف تكالب الأحزاب أو التيارات أو الكتل أو الشخصيات السياسية للحصول على جزء من المكاسب، وتندرج النفعية والأنانية والنفاق والوصولية والانتهازية، ضمن محاولات القفز على السلطة أو التقرب منها.

احتلال بغداد، ونعني به تخفيف مفردة احتلال العراق، زعزع القيم الإنسانية المتبقية في وجدان من عاش على فطرة بيئته وأعرافه وتقاليده المستقرة في شخصيته، وأضحت معيارا للتعامل والانطباعات الأولية للحكم على سلوك وأخلاق ونوعية من نتعاطى معهم أو نثق بهم لنوليهم مسؤولية ما، حتى لو كانت صغيرة وخاصة؛ فكيف بمن يتولى حياة الناس وأمنهم ومالهم.

استنسخ حكام العراق بعد الاحتلال مفاهيم الشراهة والالتهام (وهي سمة تكالب الذئاب على الفريسة) والإمعان في تمزيقها للاستحواذ على أكبر أوصالها، لتسد نهم جوعها، وأحيانا تكون الضحية ذئبا جريحا، لتباشر المجموعة افتراس نوعها دون اكتراث بفصيلتها؛ يبدو المشهد قاسيا، لكنها مع ذلك كائنات طبيعية، تكتفي بالشبع، مع عدم وجود مشاعر الحياء أو الخجل أو التفكر والأنفة من سوء ما أقدمت عليه.

ربما في المصالح والمعاناة وتاريخ سنوات من الحرمان وحتى الاضطهاد، ما يبرر ابتلاع قطع الكعكة أو ازدرادها دون مضغ وبلا انتباه لاتساخ الوجه والملابس واليدين والضمير، فرحين بالحفلة الجماعية التنكرية الماجنة للسرقات وسفك ماء الوجه الذي جفت آبار جذوره، إن وجدت له جذور فيها كرامات من رحلوا على بساطتهم أو طيبة سلالاتهم، فقراء كانوا أم أغنياء.

العراق على شفا الإعلان عن إفلاسه التام، والفجوة المالية اتسعت إلى 50 مليار دولار، والأيدي الملوثة بكعكة الدم تتوسل البنك الدولي قرضا لا يعني شيئا أمام الكتلة المالية الضائعة والمهدورة نتيجة سوء التخطيط والتبذير واستغلال المناصب السياسية والحكومية للإثراء الخاص وتنفيذ برامج الإقصاء والتهميش للآخر المختلف قوميا أو مذهبيا، والأخطر عدم وجود الإنسان المناسب لإدارة شؤون الدولة بكفاءة ونزاهة وبمواكبة متوازية مع ما وصلت إليه دول العالم المتقدم من رؤى في تنمية قطاعات الاقتصاد، وتوجيه طاقات الإنسان للعمل، وعدم إضاعة الوقت، لبناء نموذج وطن “ضمن الممكن” يرى فيه الشعب غده وسعادته وأمنه.

سقف أسعار النفط الذي تجاوز حاجز 100 دولار للبرميل الواحد، كان سطح الغرور، المسلح بالخرسانة والحديد الذي رقصت عليه السلطة و”دبكت” بكل قوتها وبذخها لإثارة الطائفية والكراهية، منفذة بفخر واعتزاز وصايا مرشد ولاية الفقيه الفارسي وهو بلا أدنى شك عراب عصابة الحزب الحاكم ورموزه مع القوى الأخرى وميليشياتها الرسمية أو التي يعترف بوجودها رئيس الوزراء الحالي وبصراحة ودون مكياج لمداراة قبح وجه حكومته، أو حتى لمنصبه ومكانته الاعتبارية كقائد عام للقوات المسلحة، وهي في بغداد فقط، وعن لسانه، 100 ميليشيا خارج إطار القانون ولها مقرات وتحمل عناصرها الهويات الرسمية. هذا الاعتراف وحده، معناه تقديم استقالة مرفقة ببراءة ذمة، لأنه غير كفء لأداء الأمانة والواجب، أو عليه إشهار سيف العدالة عليهم لخروجهم المعلن عن القانون.

بعد انهيار أسعار النفط، سقط المحتفلون بتقاسم كعكة السلطة والمال مع كل جوقة المطبلين “المعميين” على ظهورهم، ليتفاجأوا بالمتظاهرين يسخرون منهم ومن فشلهم وقلة حيائهم، وكانت رسائل تندى لها جباه الأحرار، لكنهم استتروا بورقة إطلاق النار على المحتجين والغاز المسيل للدموع، كأنهم لم يكتفوا بأنهار دموع الثكالى والأيتام المشردين من بيوتهم ومدنهم أو المحاصرين فيها.

بعد الكعكة، ماذا سيتقاسمون؟ القرض من البنك الدولي ربما، لكن السؤال الأهم: لماذا الإصرار على المشاركة بالقتال من مجموعات مشكوك فيها وفي نياتها وبتصريحاتها وأعمالها المنافية لأخلاق الجيوش في الحروب، ولرفعها الشعارات المثيرة للطائفية والأحقاد؟ وكل ذلك تحت رعاية وإصرار الحكومة لتلعب دورا لم يطلبه منها أحد ولا تلقى ترحيبا من أهل تلك المناطق أو عشائرها كما في معركة الفلوجة والمناطق المحيطة بها.

قاسم سليماني، بعد كل الهتافات التي هزت أركان ولاية الفقيه الأميركي الإيراني الخضراء، ومقتل المتظاهرين، يتواجد قرب الفلوجة بدعوة من حكومة حيدر العبادي، للإشراف على سير المعارك، وهو الإرهابي الموضوع على لائحة الإرهاب.

أي كعكة هذه التي سيتقاسمونها بعد أن تنجلي المعارك وتغادر عصابات داعش إلى المجهول أو إلى ظلام آخر تحاك فيه خرائط الفصل العنصري والإبادات وتقاسم النفوذ؟

لماذا الحماس من كل الفصائل، حتى من غير المعنية بدوافع المناطق أو القومية أو المذهب، للقتال ودفع التضحيات لتأكيد دورها في نتائج المعارك على الرغم من فداحة خسائرها بالأفراد والمعدات؟

الإجابة، ليست في سقف المواطنة العالي طبعا، الذي سقط منذ اليوم الأول للاحتلال الأميركي للعراق، وترسيخ المحاصصة الطائفية والقومية واغتيال الوئام المجتمعي واندلاع الحريق بين المكونات، وتسليم إيران مصير العراق وسوريا؛ إنما في الآتي من مغانم الحرب وحصة الدم المسفوح على الأرض، والأقدام الثابتة على انتصارها وإرادتها وما تقترحه من سياسات ومشاريع ستجد من خلفها إرادات دولية تؤيدها وتدفع بها إلى حقائق طاولات البحث، مع أنها ستصطدم بالعوائق حتما، وذلك سيكلف غاليا، لكنه ضمن صراعات مختلفة تماما وتتطلب زمنا لتشكيل قناعات ليست ولن تكون من باب غير المعقول حينها.

نحن مقبلون في العراق على فرض الأمر الواقع؛ احتلال أميركي تقرره الأحداث ومزاج الساسة ومصالح البيت الأبيض، ورؤية الولايات المتحدة للشرق الأوسط الكبير وتفاهماتها مع روسيا؛ دور إيراني وتطبيق لمشروع ولاية بلاد فارس القومي بكيميائية عناصره الطائفية لوضع العراق كمختبر تجارب على تخوم العرب؛ أراض متنازع عليها ستكون بابا مفتوحا لرياح عاتية بعد اندحار داعش في الموصل والرقة السورية تدفع بإقليم كردستان إلى الانفصال التام عن العراق؛ الاعتراف بالحرس الثوري “العراقي” كرديف أو قيادة نوعية تستمد وجودها من قوتها العسكرية والسياسية وسلطة الخوف وعصا تهذيب المرشد.

الكعك أو الكيك أو الكاتوه، أنواع وتصاميم ومذاق وصناعة لن تكون متشابهة، لكن ما نتفق عليه أن الحفلة التنكرية في المنطقة الخضراء انتهت برفع الأقنعة وضرب الشعب بالكاتوه؛ الشعب هو من سيقرر “إذا أراد” أن يحفظ درس وحدة الدم عن ظهر قلب.

كاتب عراقي

حامد الكيلاني

:: مقالات أخرى لـ حامد الكيلاني

حامد الكيلاني

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر